بين الصفا والمروة… دروس السعي نحو النجاح والتميّز

✍️ : دكتور محمد كامل  مدير عام إدارة الصف التعليمية 

أبنائي وبناتي الطلاب والطالبات، في هذه الأيام المباركة التي يُحيي فيها المسلمون حول العالم شعيرة الحج الأعظم، ويجأرون بالتلبية من كل فجٍ عميق، وتُحلّق الأرواح في أجواء من الخشوع والتوحيد والذكر، أحب أن أتوقف معكم أمام مشهدٍ تتكرر فيه التلاوة، وتتجدد معه المعاني، وتنبعث منه دروس لا تنتهي — مشهد السعي بين الصفا والمروة.
قصة الأقدام التي لم تتوقف

حين ترك إبراهيم الخليل ،عليه السلام ، زوجته هاجر ورضيعها إسماعيل في وادٍ لا زرع فيه ولا ماء، وتولّى ذاهبًا حيث يأمره الله، لم تجلس هاجر تنتظر الفرج، بل قامت تسعى. سعت بين جبلي الصفا والمروة سبع مرات، تبحث، تتعب، تنظر، ولا تيأس. وفي اللحظة التي كادت فيها قدماها تُقرّان بالعجز، نبع ماء زمزم من تحت قدمي إسماعيل الصغير، وكأن الكون يقول: إن السعي المخلص لا يضيع.

فخلّد الله هذا السعي شعيرة باقية إلى يوم القيامة، يؤديها الحجاج تذكيرًا بأن الله ، جل وعلا ، لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن الفرج يأتي من حيث لا يحتسب المجتهد.
الصفا والمروة في حياتكم الدراسية.

أبنائي وبناتي، إن مسيرتكم في طلب العلم ليست بعيدة عن هذا المشهد؛ فالكتاب الذي تفتحونه في ساعة الفجر هو جبل من جبال الصفا، والورقة الامتحانية التي تواجهونها بقلب مطمئن هي محطة من محطات المروة، وكل ليلة سهرتم فيها للمراجعة، وكل مسألة أعدتم حلّها مرة بعد مرة، وكل موقف صعب تجاوزتموه دون أن تنكسروا ،كل ذلك سعي حقيقي في ميدان الحياة.
كانت هاجر تعلم أن الوادي جاف، وكانت تعلم أنها وحيدة، ومع ذلك سعت.
فتعلّموا من هاجر: أن معرفة صعوبة الطريق لا ينبغي أن تكون سببًا للتوقف، بل دافعًا للاستمرار.

دروس السعي السبعة
لا يكون السعي في الحج شوطًا واحدًا، بل سبعة أشواط متتالية. وفي هذا حكمة بليغة تذكّركم بأن النجاح لا يتحقق بجهد واحد أو ليلة واحدة، بل هو تراكم لحظات: لحظة فهم في الفصل، ولحظة مراجعة في البيت، ولحظة صبر عند التعب، ولحظة عودة إلى الكتاب بعد الإحساس بالإرهاق، ولحظة دعاء في جوف الليل. هذه هي أشواطكم السبعة، فلا تتوقفوا عند الشوط الثالث وتقولوا: تعبنا.

بين نقطة البداية ونقطة النهاية
في السعي يبدأ الحاج من الصفا وينتهي عند المروة. وفي حياتكم الدراسية تبدأ كل رحلة من نقطة، وتمضون نحو هدف أعلى. المهم ألا تفقدوا الاتجاه. الصفا هو يومكم الأول في الفصل، والمروة هي نجاحكم في النهاية، وما بينهما هو كل شيء: إرادة، وتعب، وصبر، وعلم.

كلمة لأبنائي وبناتي الأعزاء
أنا أثق بكم، وأعلم أن في كلٍ منكم طاقة تنتظر من يوقظها، وإمكانات لا تُحصى تنتظر من يطلقها. لستم وحدكم في هذا الطريق؛ معكم أساتذتكم الذين يسيرون معكم، وإدارتكم التي تؤمن بكم، وأهلوكم الذين يحملون نجاحكم في قلوبهم قبل ألسنتهم.

فاسعوا، وأخلصوا، وتوكلوا، وتذكروا دائمًا أن ماء زمزم لم ينبع لأن الوادي كان خصبًا، بل نبع لأن قدمي هاجر لم تتوقفا.
سعيكم عبادة… ونجاحكم رسالة.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا