سلسلة: عقيدة الخراب (3)خناجر الجيران.. عندما تموّل "العروبةُ" خرابَ الديار


بعد أن استعرضنا في المقالات السابقة كيف صُنعت التنظيمات المتطرفة وكيف فكك الغرب الدول الوطنية، نصل اليوم إلى الجزء الأكثر مرارة في الحكاية: "الدور الإقليمي". فالمخطط الدولي لم يكن لينجح لولا وجود "أدوات" محلية وإقليمية، وأموال عربية ضُخت في المسارات الخطأ، لتتحول من وسيلة لبناء التضامن إلى "خناجر" تُطعن بها الدول المركزية، وعلى رأسها مصر.

سد النهضة: المال العربي في خدمة "التعطيش"

لا يمكن قراءة أزمة "سد النهضة" بمعزل عن الصراع على السيادة في المنطقة. فبينما كان يُروج للمشروع كحق تنموي لإثيوبيا، كشفت التقارير أن تمويلات ضخمة واستثمارات مباشرة من أطراف عربية كانت هي الوقود الذي سرّع بناء السد
هؤلاء الممولون يدركون جيداً أن هذا السد يمثل تهديداً وجودياً لمصر، عبر تقليص حصتها التاريخية من المياه. إن دعم مشروع بهذا الحجم في ظل تعنت إثيوبي وغياب اتفاق قانوني ملزم ليس مجرد "استثمار اقتصادي"، بل هو مشاركة فعلية في محاولة "خنق" الدولة المصرية مائياً وزراعياً، ووضع قرار أمنها القومي في يد قوى غير عربية . 

السودان: تمويل الميليشيا لإسقاط المؤسسة العسكرية 

المأساة السودانية الحالية هي "تطبيق عملي" لسياسة استبدال الجيوش الوطنية بالميليشيات. فالحرب التي كانت دائرة بين القوات المسلحة السودانية و"قوات الدعم السريع" لم تكن لتستمر لولا التدفقات المالية والعسكرية المستمرة للميليشيات من أطراف عربية معروفة . 

الهدف هنا مزدوج: تفتيت السودان وإنهاء دوره كعمق استراتيجي، سرقة مقدراته العظيمة وخاصة الذهب فالسودان أرض غنية بالخيرات ومن جهة أخرى، دفع ملايين السودانيين للنزوح نحو الحدود المصرية. هذا "التهجير القسري" الممنهج يهدف إلى استنزاف الاقتصاد المصري المنهك أصلاً، وخلق أزمات اجتماعية وأمنية داخل "القلعة الأخيرة" في المنطقة، لتحويل مصر من دولة "مانحة للاستقرار" إلى دولة "مكبلة بالأزمات" 

ليبيا: استمرار النزيف

وفي الغرب، تظل ليبيا الجرح النازف. فرغم المحاولات المصرية الصادقة لتوحيد المؤسسات الليبية، تستمر بعض القوى الإقليمية في ضخ التمويلات لدعم الفصائل المسلحة والكيانات غير الشرعية. هذا الدعم لا يهدف لبناء دولة ليبية قوية، بل لضمان بقاء ليبيا "منطقة قلق" دائمة على حدود مصر الغربية، مما يجبر الجيش المصري على البقاء في حالة استنفار دائم واستنزاف للموارد

الخاتمة: لماذا مصر ...؟

إن الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أن هناك قوى إقليمية ترى في "مصر القوية" عائقاً أمام طموحاتها في الزعامة أو تنفيذ أجندات القوى الدولية. لذا، يتم استخدام "المال العربي" لتمويل مشاريع وقوى تساهم في تطويق مصر من الجنوب (السد والسودان) ومن الغرب (ليبيا) ، وإسرائيل على حدودها الشرقية  مع ممارسة ضغوط اقتصادية في الداخل
إن "خناجر الجيران" هي الجزء الأكثر إيلاماً في "عقيدة الخراب"، لأنها تأتي ممن يُفترض أنهم شركاء المصير، لكن التاريخ سيسجل أن من هدم بيت جاره، لن ينجو أبداً من الحريق حين تلتهمه النيران

انتظرونا في المقال الرابع : لنرى ونعرف " كيف تحولت إيران من فزاعة إلى عقبة امام التمدد الصهيوني"

إرسال تعليق

1 تعليقات

  1. طرح جريء يسلّط الضوء على زوايا معقّدة في المشهد الإقليمي، ويعيد التذكير بخطورة تداخل المال والسياسة على حساب استقرار الدول. 👍

    ردحذف

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا