في لحظات الهدوء التي تسبق النوم، أو وسط زحام النهار ، قد يباغتك ضيق في الصدر لا تعرف له سبباً، أو حنين جارف لوجوه غابت كانت هي النور الذي يضيء حياتك ، أو وجع من ابتلاء طال أمده. قد تشعر أن كلماتك عاجزة ، وأن وجهك عاجز عن التعبير عما تحمله من ألام . ربما لا يدرك أحداً حجم الثقل الذي تحمله في روحك، لكن ثمة حقيقة واحدة كفيلة بأن تبرد نار قلبك هذه الحقيقة تتمثل في قول الله تعالى :
" فاصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا "
أية صغيرة لكنها كافية لترميم كل انكسار . كافية بأن تصحح مسار أفكارنا فهي تذكرنا بأن الله تعالى يرى تلك الغصة التي نخفيها خلف ابتسامة باهتة، ويسمع "أنين قلبك" الذي لا يسمعه أحد ولنا في أنبياء الله ورسله صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين الأسوة الصالحة في ذلك فسيدنا يعقوب عليه السلام أنهكه الحنين وابيضت عيناه من الحزن على فقد ولده، لكنه لم ييأس من روح الله ولم يشتكِ للخلق، بل اتجه بوجعه وألمه إلى الله تعالى قائلاً لأبناءه : {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ}. في درس عظيم لنا بأن الشكوى لله ليست ضعفاً، بل هي قمة القوة واليقين بأن من أوجد الوجع هو وحده من يملك مفاتيح الفرج.
ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبكي عند فقده لأبناءه وبناته واحدا بعد الآخر لكنه مع بكاءه وألمه لم يفقد يقينه بربه وتبقى كلماته الخالدة في رثاء ولده ابراهيم شاهدة على يقين قلبه ورضا نفسه بقضاء الله عز وجل فقد قال صلى الله عليه وسلم والدموع تتدفق قبل كلماته "إِنَّ العَيْنَ لتَدْمَعُ، وَإن القَلْبَ ليَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ مَا يغضب الرب وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ". هذا هو مفتاح النجاة؛ أن نتألم، أن نشتاق، ولكن بقلبٍ مُسلمٍ راضٍ بقدر الله. وهذه الكلمات المضيئة ستظل تمسح على قلوب قائليها عبر الأجيال
وأنت وأنا عندما تضيق بنا السبل، وتتصارع في صدورنا الهموم شوقا لمن فقدناهم علينا أن نردد هذه الكلمات ونحن على يقين بأن الله تعالى لن يترك قلوبنا نهباً للأحزان، فهو الشافي لكل ندبة تركتها الأيام.
الرضا بالقدر لا يعني غياب الألم، بل يعني الثقة بأن تدبير الله لنا أفضل من تدبيرنا لأنفسنا. يقول تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}. فالله هو الذي يجبر الكسر الذي لا يراه الناس، وهو القائل في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي".
فيا صاحب القلب الموجوع، وجه وجهك لله وسلم قلبك إليه وتذكر دوماً قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}؟ بلى، هو كافيك، وشافيك، ومغنيك عن كل العالمين.
خاتمة ودعاء:
اللهم يا جابر المنكسرين، ويا أنيس المستوحشين، نسألك أن تنزل سكينةً من عندك على كل قلبٍ أرهقه الفقد، وضاق به الهمّ. اللهم اربط على قلوبنا، وعوضنا خيراً عما فقدنا، واجعلنا ممن رضوا بقضائك فأرضيتهم بكرمك، إنك على كل شيء قدير


0 تعليقات