"ما الذي يحفزنا حقاً؟ حوار داخلي بين الخوف والرغبة"

 ✍️ د. هاني فاضل
محاضر معتمد / استشاري الموارد البشرية وتطوير المنظمات

في صباح باكر، في زقاق ضيق يكسوه ضباب خفيف، كانت ليلى، الباحثة في علم النفس الإنساني، تسير بسرعة غير معتادة، قلبها يخفق بلا سبب واضح، وكان السؤال الذي يدور في ذهنها منذ أيام كان يثقل على صدرها: ما الذي يحفزني حقاً ؟ أهو الشغف.... أم مجرد الهروب من الفشل؟ 
كانت كل خطوة كأنها عبور فوق حافة مجهولة، كل نسمة هواء تلامس وجهها تهمس لها بصراحة قاسية: التحفيز ليس فكرة نظرية، بل تجربة شخصية مباشرة،لا يمكن تجنبها.

 استحضرت لحظة رفض مؤتمر دولي دراستها، وكان الألم كاللكمة في المعدة. سألت نفسها :"هل كنت أبحث عن تقدير الآخرين طوال الوقت؟ أم أن قوتي الحقيقية تكمن في قدرتي علي إعادة تشكيل نفسي بعد الانكسار؟" وفجأة، تلك الصدمة الشعورية جعلتها تدرك: أن الفشل ليس نقيض النجاح، بل مادته الخام؛ وأن كل رفض يمكن أن يتحوّل إلى شرارة إبداع، إذا ما أُعيد تأويله بوعيٍ أعمق.

في مدينةٍ أخرى، كان سامر، مدير شركة ناشئة، يتأمّل انعكاس الشمس على واجهة مكتبه الزجاجية. لم تكن المشاريع التي أخفقت، ولا العملاء الذين رفضوا مقترحاته، مجرّد إخفاقات عابرة؛ بل مرآيا صامتة تسأله: "هل تملك الشجاعة لترى ذاتك كما هي؟"، صار كل اعتراضٍ يتلقّاه تمريناً على الصبر، وكل مواجهة مساحة لاختبار وعيه بذاته. لم يعد الصراع تهديداً، بل فرصة لإعادة تعريف المعنى، أدرك أن التحدي لا يُستقبل بالمقاومة فقط، بل بالفهم؛ وأن القيادة الحقيقية تبدأ من إدارة الحوار الداخلي قبل إدارة الآخرين.

وفي زاوية أخرى من المدينة، كان آدم، فنان شاب، يقف أمام لوحته البيضاء، الفرشاة ترتجف بين أصابعه، وحواره الداخلي يصرخ بصوت عالٍ:  "هل سأجرؤ على رسم كل ما أشعر به؟ هل الخوف من الفشل أقوى مني؟" اكتشف أن خوفه من الفشل، ومن عدم الاعتراف بموهبته، لم يكن عائقاً بل محرّكاً خفياً. كانت كل ضربة فرشاة اختباراً لشجاعته، وكل خطأٍ على القماش احتمالاً جمالياً جديداً. وحين واجه خوفه مباشرةً،

 أدرك أن التحفيز الأعمق لا يأتي من الجوائز ولا من نظرات الإعجاب، بل من صراع الإنسان مع ذاته وهو يحاول أن يكون صادقاً.
أما هبة، فكانت تجلس في مقهى صغير، تكتب بلا توقف، كأن الكلمات تتدفّق لتنجو من صمتها الداخلي. كان القلق والحماس يتجاوران في صدرها، والسؤال يلاحقها: "هل لما أكتبه قيمة؟ وهل أحتمل عزلة الطريق؟"، مع كل تجربة رفض عاشتها، كانت تكتشف أن الألم ليس نهاية، بل بداية إدراك. في صمت المقهى فهمت أن التحفيز الحقيقي هو القدرة على الاستمرار رغم الوهن، وعلى خلق معنى وسط الفوضى، وعلى تحويل كل صدمة إلى خطوة نحو النضج.

ليلى، سامر، آدم، هبة… لم يكن ما يجمعهم المهنة ولا الطموح، بل ذلك الاكتشاف المشترك: التحفيز ليس شيئاً خارجياً يُقاس أو يُشترى، بل صراع داخلي دائم بين الخوف والرغبة، بين التوقعات والهوية، بين ما نخشاه وما نطمح أن نصير إليه.
وحين غربت الشمس، جلس كلٌ منهم وحيداً، يستعيد صدماته الصغيرة كدروسٍ كبرى. أدركوا جميعاً أن ما يدفع الإنسان إلى الأمام ليس النجاح في ذاته، ولا الجوائز، ولا تصفيق الآخرين…بل الألم حين يُفهم، والفشل حين يُعاد تفسيره، والشك حين يتحوّل إلى فعل.

فالتحفيز الحقيقي لا يأتي من الخارج إنه ينبع من وعيٍ عميق بالذات ومن القدرة على تحويل الانكسار إلى إبداع
والتردد إلى قرار والتجربة القاسية إلى معرفة تُنضج الروح وتُعيد تشكيل المصير.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا