د . هاني فاضل يكتب : إعادة كتابة الذات...."حدودك هي كلماتك"

في ليلةٍ هادئة جلس شاب أمام نافذته يتأمل المدينة، كانت الأضواء تتلألأ كأفكار مبعثرة في رأسه تتصارع بين الشك والفضول والحنين للمعنى سأل نفسه:
"لماذا ينجح بعض الناس في تغيير حياتهم، بينما يظل آخرون أسرى عاداتهم وكلماتهم؟"

في صباح اليوم التالي، التقى برجلٍ حكيم، لم يكن يرتدي عباءة الفلاسفة، ولا يتكلم بلغة المعاجم، لكنه كان يعرف سراً بسيطاً: "الإنسان يعيش داخل لغته قبل أن يعيش في واقعه."
قال له:
"تخيّل أن عقلك حديقة كلماتك البذور ومشاعرك هي الماء وأفعالك هي الثمار، فهل تنتظر أن تحصد طمأنينة وأنت تزرع الخوف كل يوم؟" هكذا تبدأ حكاية البرمجة اللغوية العصبية.
ليست مجرد تقنيات للتأثير أو الإقناع، بل هي – في جوهرها – سؤال فلسفي عميق: هل نحن آسري تجاربنا؟ أم مهندسو معانيها؟

البرمجة هنا ليست أسلاكاً وأزراراً، بل أنماطاً ذهنية تشكلت عبر الزمن، واللغة ليست حروفاً، بل الجسر الذي تعبر عليه أفكارنا إلى واقعنا، والعصبية ليست توتراً، بل شبكة دقيقة من المسارات التي تخزن كل تجربة، وكل ألم، وكل انتصار.

قال الحكيم:
"عندما تقول: أنا فاشل… أنت لا تصف حدثاً، بل تبني هوية. وعندما تقول: أنا أتعلم… أنت تفتح باباً جديداً."
الفلسفة القديمة تقول: "أعرف نفسك."
لكن البرمجة اللغوية العصبية تضيف: "وأعد تعريف نفسك.… حرّر معنى كل تجربة، واختر ما تريد أن تمثله حياتك."
في أحد الأيام خسر الشاب فرصة عمل كان يتمناها فعاد محبطاً، قال له الحكيم: "ماذا حدث؟"
قال: "فشلت." أبتسم الحكيم وسأله: "هل فشلت… أم أن النتيجة لم تكن كما توقعت؟"  
هنا تكمن اللعبة الفلسفية.
الحدث واحد… لكن المعنى متغير.
والمعنى هو الذي يصنع الشعور، والشعور هو الذي يحدد السلوك.
البرمجة اللغوية العصبية لا تغيّر الماضي، لكنها تغيّر زاوية النظر إليه، وكأنها تقول لك:
"الحياة ليست ما يحدث لك… بل ما تقرر أن يعنيه ما حدث."ومع كل إعادة تفسير، تتغير شبكة الإحساس، وتلين العقد القديمة، وتصبح الذاكرة أقل قسوة، ليس لأن الواقع تبدل بل لأن الإدراك تبدل.
وفي لحظة صدق، قال الشاب:
"إذن أنا لست ضحية ما حدث لي؟"
أجابه الحكيم:
"أنت مسؤول عن المعنى الذي تمنحه لما حدث. هذه هي جوهر الحرية"
وهنا يرتفع السؤال الفلسفي الأكبر: هل الحرية أن نتحكم في العالم؟ أم أن نتحكم في استجابتنا له؟
البرمجة اللغوية العصبية تختار الطريق الثاني. تبدأ من الداخل، من الكلمة الصغيرة التي تقولها لنفسك في الخفاء. من الصورة التي ترسمها في ذهنك وأنت تتخيل مستقبلك. من النبرة التي تخاطب بها ذاتك عند الخطأ، هي ليست سحراً ولا وعداً بزوال الألم، لكنها وعدٌ بأنك تستطيع إعادة تشكيل تجربتك للألم، تحويل الندوب إلى خرائط، والألم إلى فهم ونمو.

في نهاية القصة، لم يصبح الشاب مختلفاً بين ليلة وضحاها، لكنه بدأ ينتبه لكلماته صار يسأل نفسه:
"هل هذا تفسير… أم حقيقة؟"، "هل هذا خوف… أم احتمال؟"
ومع كل سؤال، كان يحرر جزءاً صغيراً من ذاته، وأدرك أن أعظم ثورة يمكن أن يخوضها الإنسان ليست في العالم الخارجي، بل في إعادة كتابة الحوار الداخلي، وصناعة ذاته بمعنى جديد، حر، واعٍ، مكتمل. ليست البرمجة اللغوية العصبية مجرد منهج تطوير ذات، بل دعوة فلسفية عميقة:
أن تعيش واعياً للغة التي تصنع بها عالمك.
أن تدرك أن أفكارك ليست قدرك… بل مشروعك.
وأن أكبر ثورة يمكن أن تقوم بها، هي أن تغيّر الحوار الداخلي الذي يدور في صمت.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا