مقولة تُنسب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قالها لأحد أبنائه، وكأنه يعلّمه كبح جماح النفس، وعدم الانسياق وراء شهوة الشراء والتكالب على متاع الدنيا.
فالإسلام أمر بالوسطية في كل شيء، وجعل لنا في القرآن الكريم منهج حياة متكاملًا. ففي القرآن الكريم، وتحديدًا في سورة الإسراء، جاء التوجيه الإلهي بالاعتدال في الإنفاق:
ألا نبسط أيدينا كل البسط فنقعد ملوَمين محسورين،
ولا نجعل أيدينا مغلولة إلى أعناقنا فنقصر في حق من نعول أو في الصدقة من مال الله الذي آتانا.
إنه ميزان دقيق:
لا تبذير… ولا إمساك،
بل إنفاق بإحسان ومسؤولية.
ويأتي شهر رمضان، الشهر المبارك والضيف الكريم، ليجسد هذا المعنى عمليًا. ففيه يخرج الغني من ماله صدقة، وينفق كل ذي سعة من سعته، لإطعام الصائمين، وإدخال السرور على قلوب الفقراء والمحتاجين، وكفالة الأيتام.
وتتعزز في هذا الشهر روح التكافل الاجتماعي، فنرى كثيرين يبحثون عن المحتاجين ويصلون إليهم بأنفسهم، يمنحونهم من فضل الله الذي أكرمهم به. وهذه من أجمل النفحات الإيمانية التي يعيشها المجتمع المسلم.
لكن على الوجه الآخر، نرى من ينشغل في الشهر ذاته بالإسراف في المأكل والمشرب، وشراء الملابس الجديدة، واقتناء ما لا حاجة له ولا ضرورة، وكأنها شهوة استهلاك لا تعرف حدًا.
ويُروى أن عمر بن الخطاب، وهو أمير المؤمنين، دخل السوق يومًا، وكان يعيش على الزيت والخبز الجاف، حتى سُمِع صوت بطنه من شدة الجوع، فوضع يده عليها وقال:
«قرقري أو لا تقرقري، لا تأكلين اللحم حتى يشبع منه صغار المسلمين».
أي خلق رفيع هذا؟ وأي شعور عظيم بالمسؤولية تجاه الرعية؟
بل إنه رأى أحد أبنائه يلبس خاتمًا من فضة مرتفع الثمن، فأمره أن يرده إلى بيت مال المسلمين، وأن يلبس خاتمًا من حديد، ويُنقش عليه:
«رحم الله امرأً عرف قدر نفسه».
إنها مدرسة في الزهد، وضبط النفس، واستحضار الرقابة الإلهية قبل شهوة الامتلاك.
فهل نشتري كل ما نشتهي؟
أم نربي أنفسنا على الاعتدال، ونقدم الواجب على الرغبة، ونضع الآخرة قبل الدنيا؟
نسأل الله أن يجعل إنفاقنا طاعة، وشراءنا حكمة، وقلوبنا معلقة بما يرضيه، وأن يرزقنا الاعتدال في كل أمر.
وإلى لقاء آخر.


0 تعليقات