د. كريم أبو عيش يكتب : لم تعد صورتك ملكك

بقينا نعيش في زمن الصورة فيه بتتكلم أكتر من الحقيقة. صورة واحدة ممكن تغيّر رأي، تصنع أزمة، أو تهدّ سمعة إنسان. ومع دخول الذكاء الاصطناعي على الخط، الصورة ما بقتش مجرد ذكرى أو لحظة عابرة، لكنها بقت مادة خام قابلة للتشكيل والتزوير والتحوير، كأن الواقع نفسه قابل لإعادة المونتاج.

الخطورة الحقيقية مش في التكنولوجيا ذاتها، لكن فيمن يستخدمها. أدوات تعديل الصور والفيديوهات وصلت لمرحلة تخليك تشوف شخص في مشهد عمره ما كان فيه، أو تسمعه يقول كلام ما نطقوش. والأخطر إن التزوير ده بقى متقن لدرجة إن العين العادية ما تقدرش تفرّق بين الحقيقة والكذب.

وده مش تهويل. في وقائع قريبة حصلت بالفعل. فتيات فوجئن بصور وفيديوهات منسوبة إليهن، منتشرة بين الناس، وهي في الحقيقة مزيفة بالكامل. صورة عادية كانت منشورة بحسن نية، تحوّلت إلى أداة تركيب وتشويه، وفي ساعات قليلة بقت وسيلة للتشهير والابتزاز. بعض الضحايا دخلن في صدمات نفسية، وأسر وجدت نفسها في مواجهة مواقف قاسية لم تكن في الحسبان، فقط لأن صورة خرجت من إطارها الآمن. وقتها، لم يكن السؤال: “هل هذا حقيقي؟” بل كان الضرر قد وقع بالفعل.

المشكلة هنا إن الأذى مش رقمي وبس، لكنه نفسي واجتماعي، وأحيانًا أسري. صورة مزيفة ممكن تدمّر سمعة، وتخلق اتهامات، وتضع إنسانًا بريئًا في موقف دفاع دائم عن نفسه. ومع سرعة انتشار المحتوى على منصات التواصل، بيجري الضرر أسرع من أي محاولة توضيح أو إنكار، ويصبح تصحيح الحقيقة معركة غير متكافئة.

الأخطر إن أصحاب النفوس المريضة لا يحتاجون جهدًا كبيرًا. صورة واحدة واضحة كفيلة بفتح باب للاستغلال. مستخدم مجهول، خلف شاشة، بلا ضمير، قادر على إحداث ضرر بالغ من دون أن يترك أثرًا مباشرًا.

القضية ليست خوفًا من الذكاء الاصطناعي، بل وعيًا بخطورته. التكنولوجيا أداة، يمكن أن تُستخدم في البناء أو في الهدم، والفيصل دائمًا هو الإنسان. لكن في زمن تختفي فيه الحدود بين الحقيقي والمزيّف، أصبح الحذر ضرورة لا مبالغة.

ومن باب النصيحة الصادقة، لا التخويف:
لكل أخت، ولكل بنت، انتبهي لصورك. ليس كل ما يُنشر آمن، ولا كل منصة جديرة بالثقة، ولا كل متابع حسن النية. الخصوصية اليوم أصبحت شكلًا من أشكال الحماية، والحفاظ على صورتك هو حفاظ على نفسك وراحتك. العالم تغيّر، ومن الحكمة أن نغيّر طريقة تعاملنا معه قبل أن نفاجأ بثمن لم نحسب حسابه.
#حديث_الثلاثاء

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا