ياسر جلال ومأزق الرمزية السياسية: عندما تفشل "الإدارة بالبركة" في عصر الاحتراف

✍️ :  مستشار د. أحمد آل شُخب   مستشار اقتصادي  استشاري الاتصال السياسي والتخطيط الاستراتيجي للمؤسسات

في زمنٍ تُقاس فيه الثقة بالدقة وتُدار فيه السمعة بالمعرفة، لم يعد حسن النية كافيًا لإنقاذ الرموز العامة من السقوط.

قيل قديماً إنّ السياسة مسرحٌ كبير، وكل من فيه يؤدي دوراً مرسوماً بعناية، وربما صدق القائل في جانبٍ من قوله، فالساسة يتقنون فنّ الإقناع والعرض كما يتقن الممثل أداءه على الخشبة. غير أنّ السياسة، وإن تشابهت مع الفن في مشهدها وحضورها، فهي تتجاوز حدود العرض إلى واقع الناس، تؤثر في يومهم وتغيّر مسار حياتهم. فبينما يُمتع الفن جمهوره، تُلزم السياسة جمهورها بما يُقرَّر على خشبتها، فيبقى أثرها بعد أن يُسدل الستار.

المشهد الأول: من كوميديا الأخطاء إلى تراجع المصداقية (اللعبة التي لم يفهمها جلال)
عندما دخل ياسر جلال مجلس الشيوخ، ظن أنها مسرحية جديدة يمكنه إتقانها، وما لبث ان يفهم آن لكن القواعد اختلفت!
ففي عالم السياسة، لا يوجد "مونتاج" ولا "مخرج" ينقذ المشهد.
كل كلمة تُسجل، كل نظرة تُحلل، كل زلة تُضخم.
من فيديو تقليد مشهد عادل إمام داخل المجلس، إلى أخطاء في تلاوة القسم، وصولًا إلى تصريحات عشوائية وارتباكٍ في الأداء، جاءت ردود فعل الجمهور حادة.
ورسالتهم كانت واضحة: الغضب ليس من زلةٍ عابرة، بل من استهانةٍ متكررةٍ بقدسية المنصب وهيبة المؤسسة - بغض النظر عن أسماء من يقفون وراءها.

المشهد الثاني: التحول الكبير من الغضب من السياسات إلى الغضب من الرموز
 
لأسبابِ مختلفة، فلم يعد الشارع يوجّه سهام نقده وغضبه بالأساس نحو السياسات المجردة أو القرارات؛ بل أصبح يصب غضبه على رموز النظام (أو من يراهم كذلك). وفي مناخ الاحتقان العام، تحولت كل زلة - حتى لو بدت بسيطة - إلى منفذٍ لتفريغ غضبٍ متراكم وشحنة نفسية واجتماعية عالية.
وفي قلب هذه المعادلة يقف ياسر جلال نموذجًا واضحًا، من أول تعيينه (لا انتخابه) في مجلس الشيوخ، ونظرة البعض إليه على أنها مكافأة لتمثيله دور الرئيس، ثم تحوله ممثل ناجح الي وجهًا لمؤسسة تشريعية يراها كثيرون "صامتة" أو "شكلية".
 
المشهد الثالث: اللغز الذي حيّر جلال — لماذا لم ينجح الاعتذار؟
اعتذر الرجل سريعًا، وأكد حسن نيّته، لكن العاصفة لم تهدأ.
ذلك لأن المصداقية في السياسة لا تُمنح، بل تُكتسب بالثقة.
وحين يفقد الجمهور ثقته في المؤسسة، فإنه لا يمنحها بسهولة لأيٍّ من رموزها.
الاعتذار لا يُجدي حين تكون الثقة منزوعة من الجذور. 
 
المشهد الرابع: نهاية زمن الارتجال ”السياسة لا تُدار بالبركة“
ما زالت الفرصة قائمة أمام جلال  ومعه كثير من الرموز العامة  لإعادة بناء صورتهم وتحديث أدوات حضورهم في المجال العام. فزمن “الارتجال الاتصالي” و”إدارة العمل السياسي بالبركة” قد انتهى.

العالم اليوم يقيس الثقة بالدقّة، ويدير السمعة بالمعرفة، لا بالنوايا الطيبة. فلقد تجاوزت السياسة مرحلة المجاملة والشعبوية، وأصبحت فنًّا للاتصال الواعي وإدارة الصورة والعلاقات بذكاء مؤسسي. فأساليب “النواب القدامى” القائمة على الكاريزما الشخصية وأساليب “الخبرة بالعُرف” لم تعد تتواءم مع متطلبات هذا العصر وإن نجحت لفتره قصيره في بعض الحالات فلن تستمر، والمستقبل لن يرحم من يدير الحاضر بعقلية الماضي. 

وفي الواقع المصري، ما زال كثير من المسؤولين يظنون أن “حسن النية” و”الشعبية الإعلامية” كافيتان لإدارة معركة الرأي العام — بينما هما في الحقيقة أضعف أدواتها.
المشهد الخامس: الحل الضائع ”أهل الرؤية يصنعون الفرق، وليس أهل الثقة“

التحدي الحقيقي أن ياسر جلال – مثل كثيرين من الرموز في مواقع السلطة – يعمل داخل نظام يفتقر إلى ثقافة الاتصال السياسي المؤسسي.

في النظم المتقدمة، لا يُترك حضور المسؤول العام للصدفة، فلكل سياسى محترف أو مسؤول في موقع مسؤولية فريق اتصال سياسي متكامل يقوده مستشار اتصال سياسي يتولى إدارة العلاقة مع الجمهور، ويعاونه فريق متخصص عبر:
• رصد اتجاهات الرأي العام وتحليل ردود الفعل في الوقت الحقيقي،
• إدارة السمعة والمخاطر الاتصالية قبل أن تتحول إلى أزمات،
• بناء العلامة الشخصية بما يعزّز الثقة والمصداقية،
• إعداد الرسائل العامة وتوحيد الخطاب بما ينسجم مع حساسية المنصب،
• ووضع استراتيجية اتصال شاملة تحفظ التوازن بين الحضور الشخصي والهيبة المؤسسية

ولا تنجح هذه المهمة بالاعتماد على أهل الثقة أو النوايا الحسنة أو الأكاديميين، تنجح فقط بأصحاب الرؤية الاستراتيجية والعلم التطبيقي القادرين على ترجمة المعرفة وتحويلها إلى أدوات فعلية لإدارة المجال العام باحتراف.

المشهد الأخير: بين الاحتراف والارتجال
يقف ياسر جلال — وكثير من الرموز العامة — أمام مفترق طريقٍ حاسم:
إما أن يدرك أن العمل السياسي، كالفن تمامًا، يحتاج إلى احترافٍ وانضباطٍ وإدارة واعية للصورة والرسائل، وأنّ السمعة السياسية أصبحت ركيزة استراتيجية لا ترفًا، في زمنٍ لم يعد فيه "حسن النية" ولا "الشعبية الإعلامية" درعًا يحمي من غضب الرأي العام؛
وإما أن يواصل السير على النهج التقليدي ذاته، مدفوعًا بالارتجال و" #الإدارة_بالبركة"، ليجد نفسه في النهاية خارج المشهد الذي ظن أنه بطله.
ففي عالمٍ تتبدل فيه المعايير بسرعة الضوء، لا ينجو من السقوط إلا من يُدير حضوره بعقلٍ استراتيجي لا بعفوية اللحظة.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا