في عام 1968، كانت شركة كوداك Kodak تحتفل بعقود من الهيمنة على سوق التصوير الفوتوغرافي. فكل طفل يُولد في أمريكا يُصوَّر بفيلم Kodak، وكل ذكرى تُحفظ في مظروف أصفر يحمل الاسم الأشهر في العالم. فهي لم تكن مجرد شركة، بل كانت جزءًا من الذاكرة الإنسانية.
لكن في نفس العام، كان هناك مهندس يعمل في أحد مختبرات Kodak نفسها يُطوّر في صمت اختراعًا سيدمّر كل شيء، هذا الاختراع هو الكاميرا الرقمية، كوداك لم تتبنَّ الفكرة، ولم تخف منها. ولكن ببساطة تجاهلتها.
مرت السنوات ثم في عام 2012، أعلنت Kodak إفلاسها. ليس لأن العالم توقف عن التصوير، بل لأن كوداك توقفت عن التغيير. فكرة واحدة في رأس مهندس أنهت قرنًا من الهيمنة. وبيننا الآن مئات الـ Kodaks الصغيرة، شركات وحكومات وإدارات تعيش على أمجاد الأمس، تنتظر دورها في طابور الإفلاس دون أن تدري.
ما الذي يجعل مؤسسةً تحيا أو تموت؟
ل تعمل في مكان تُعقد فيه 4 اجتماعات لاتخاذ قرار لا يحتاج إلا لدقيقة واحدة؟ هل رأيت مبادرة تحوّل رقمي ماتت قبل أن تولد لأن "هذا تعودنا عليه"؟ هل صادفت مديرًا طموحًا يملك الرؤية لكنه يصطدم كل يوم بجدار غير مرئي، كأن المؤسسة تأكل أفكار أبنائها قبل أن يولدوا؟
قصة (كوداك) ليست استثناء — إنها القاعدة.
في كل مكان حولنا، مؤسسات حكومية تضمّ آلاف الموظفين لكنها تُقدّم خدمة لا تتجاوز ما كانت عليه قبل عشرين عامًا. شركات خاصة تحمل ميزانيات ضخمة لكنها تعمل بعقلية القرن الماضي. وزارات تُصدر قرارات لكن لا أحد ينفّذها بروح حقيقية. مديرون طموحون يملكون الرؤية لكن يصطدمون كل يوم بجدار غير مرئي.
المشكلة ليست في غياب الموارد، ولا في نقص الكفاءات. المشكلة كما اكتشف الباحثون في خمسينيات القرن الماضي، هي في غياب منهج مقصود ومخطّط للتغيير.
وهنا وُلد ما نسمّيه اليوم التطوير المؤسسيOrganization Development (OD)
التطوير المؤسسي OD ليس "تدريب موظفين" فما هو إذن؟
هل أرسلت موظفيك إلى دورة تدريبية، ثم اكتشفت أن المشكلة نفسها عادت بعد أسابيع قليلة؟
هل أطلقت حملة “تحفيز” داخل فندق فاخر انتهت بانتهاء البوفيه والصور التذكارية؟
هل جربت أعادة رسم الهيكل التنظيمي، وغيّرت أسماء الإدارات، ثم فوجئت بأن الناس ما زالوا يعملون بالطريقة نفسها؟
هذا ليس تطويرًا مؤسسيًا، ولكن مجرد مُسكّن مؤقت.
الـ Organization Development (OD) يشبه الطب المؤسسي الحقيقي. فهو لا يكتفي بعلاج العرض الظاهر، بل يسأل: لماذا يتكرر الخلل أصلًا؟ هل المشكلة في الأفراد؟ أم في الثقافة الداخلية؟ أم في الحوافز؟ أم في طريقة اتخاذ القرار نفسها؟
فالتطوير المؤسسي ما هو إلا تدخل مخطط ومنهجي يهدف إلى رفع الـكفاءة المؤسسية Organizational Effectiveness - أي قدرة المؤسسة على تحقيق أهدافها بالتوازي مع تحسين بيئة العمل وقدرات الأفراد داخلها.
وكثيرون يخلطون بين التطوير المؤسسي وبين الدورات التدريبية، أو إعادة الهيكلة الإدارية، أو حملات التحفيز للعاملين التي تُعقد في فنادق فاخرة وتنتهي بلا أثر. التطوير المؤسسي أعمق من كل ذلك بكثير.
والكلمة المفتاحية هنا هي: “مخطط Planned-”، فكل المؤسسات تتغير بمرور الوقت، لكن القليل فقط يتغير بقصد ورؤية واضحة.
كما أن الـ OD لا يتعامل مع الأعراض، بل مع الجذور، فهو لا يحاول فقط إصلاح اجتماع فاشل، بل يعيد التفكير في الطريقة التي تُدار بها الاجتماعات من الأساس. ولا يهدّئ موظفًا غاضبًا ليحل موقف مؤقت، بل يحاول فهم لماذا تُنتج المؤسسة هذا الغضب بصورة مستمرة.
"*المؤسسة التي لا تُخطّط للتغيير تتغيّر رغمها — لكن نحو الأسوأ"* - Brown & Harvey, An Experiential Approach to Organization Development
———
لماذا نحتاجه الآن أكثر من أي وقت؟
نحن نعيش اليوم فيما يسميه الباحثون Hyper-turbulent Environment، بيئة فائقة الاضطراب.
التكنولوجيا تتغير بوتيرة غير مسبوقة، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تتصاعد باستمرار، كما أن الأجيال الجديدة من الموظفين والعملاء والمواطنين تمتلك توقعات مختلفة جذريًا عن الأجيال السابقة.
في هذا العالم، لا يكفي أن تعمل المؤسسة بكفاءة اليوم. والسؤال الحقيقي هو: هل تستطيع أن تعيد إنتاج نفسها بعد خمس سنوات؟
فالمؤسسة التي تفقد القدرة على التجدد الذاتي Renewal Capacity قد تبدو مستقرة ظاهريًا، لكنها تبدأ تدريجيًا في فقدان علاقتها بالواقع، حتى لو بدت بالأرقام بخير، فهي تمامًا كالساعة التي تعمل ببطيء، ولكن عقاربها لم تعد تُطابق الزمن الحقيقي.
———
رحلة التغيير في خمس محطات
قدّم Brown & Harvey نموذجًا للتطوير المؤسسي يسير في خمس مراحل متتالية. تخيّلها كرحلة الطبيب مع مريضه، فهي لا تبدأ بالعملية، بل بالتشخيص:
المرحلة الأولى: الاستشعار المبكر Anticipate a Need for Change القائد الحقيقي لا ينتظر الأزمة حتى تقع، بل يلتقط الإشارات الهادئة التي تسبقها.
إشارات لا تصرخ، لكنها تكشف الكثير: إدارات تعمل كجزر منفصلة، وإجراءات تتضخم بلا سبب واضح، ومبادرة تتراجع تدريجيًا ليحل محلها الخوف من الخطأ. والمؤشرات الرسمية تبدو مطمئنة، بينما رضا المواطنين أو العملاء يتآكل بصمت. يتحول الإرهاق الوظيفي تدريجيًا إلى لامبالاة، وتُطلق مبادرات شكلية تُطلق لتختفي بهدوء بعد أسابيع قليلة.
في هذه اللحظة، تصبح المعرفة محتكرة في الأعلى، بينما يفقد العاملون إحساسهم بالاتجاه والمعنى. ويصبح تجنب الخطأ أهم من محاولة النجاح.
من هنا يبدأ الـ Organization Development فعلًا، من القدرة على رؤية الأزمة وهي لا تزال مجرد إشارات صغيرة لم ينتبه إليها أحد بعد.
المرحلة الثانية: بناء العلاقة - Develop the PractitionerClient Relationship لا تغيير حقيقي بدون ثقة. سواء كنت مستشارًا خارجيًا أو قائدًا داخليًا، فأول خطوة فعلية هي بناء علاقة الثقة - Trust Relationship مع من ستعمل معهم. الناس لا يتغيّرون لأنك تملك الحق، بل يتغيّرون لأنهم يثقون بك.
المرحلة الثالثة: التشخيص الدقيق - The Diagnostic Phase هذه المرحلة هي ما تُفرّق بين القائد الحقيقي والمتسرّع. الـ Diagnosis يكشف أين المشكلة فعلًا؟ (في الهيكل التنظيمي/ في الثقافة الداخلية/ في العمليات/ في طريقة التواصل)، وكثيرون يقفزون إلى الحلول قبل أن يفهموا المشكلة، وهذا بالضبط سبب فشل معظم مبادرات التغيير.
المرحلة الرابعة: خطة الفعل Action Plans, Strategies & Techniques بعد التشخيص تأتي التدخّلات المُصمَّمة خصيصًا للحالة. ليست حلولًا جاهزة مُستوردة من كتاب أو من تجربة مؤسسة أخرى، بل استجابات مُفصَّلة على قياس هذه المؤسسة بثقافتها وتاريخها وبشرها.
المرحلة الخامسة: التجديد والاستدامة — Self-Renewal, Monitor & Stabilize الهدف الأسمى ليس "إصلاح مشكلة قائمة"، بل بناء مؤسسة تستطيع أن تُصلح نفسها بنفسها، مؤسسة تتعلم من أخطائها وتواجهها قبل أن تُصبح أزمات. هذا هو الـ Continuous Improvement بمعناه الحقيقي.


0 تعليقات