د . هاني فاضل يكتب : استيقظ فالحياة لا ترحم

في لحظةٍ هادئة بين الفجر وبداية الضجيج اليومي، جلس شابٌ على حافة شرفته يتأمل الشارع الخالي، كانت المدينة ما تزال تتثاءب والضوء الأول للشمس ينساب ببطء فوق الجدران القديمة. في تلك اللحظة الصامتة، أدرك شيئاً لم يتعلمه في الكتب، ولم يتلقاه في المدارس، ولم تُخبره به التجارب السطحية: أن الحياة لا تنتظر أحداً، وأن من ينام طويلاً عن وعيه قد يستيقظ متأخراً جداً.

الحياة في جوهرها ليست ساحة رحيمة كما نتصور في بداياتنا، إنها منظومة معقدة من الفرص والتحديات، من الإمكانات الضائعة والاحتمالات المفتوحة ومن يتعامل معها بسذاجةٍ عاطفية يكتشف متأخراً أن الزمن لا يعيد اللحظات، وأن الفرص حين تمرّ لا تطرق الباب مرتين، لذلك فإن أول درس يفرض نفسه على الإنسان هو اليقظة؛ يقظة العقل قبل يقظة الجسد، ويقظة الوعي قبل حركة الخطوات.

إن الاستيقاظ الذي نقصده هنا ليس مجرد فتح العينين عند الصباح، بل هو استيقاظ فكري ووجودي. أن يدرك الإنسان موقعه في هذا العالم، وأن يسأل نفسه بصدق:
من أنا؟
إلى أين أسير؟
ولماذا أعيش بهذه الطريقة؟
هذه الأسئلة، رغم بساطتها الظاهرة هي المفاتيح التي تفتح أبواب الوعي، فمن دونها يتحول الإنسان إلى كائن يسير داخل الحياة كما تسير الأوراق في مهب الريح؛ تتحرك لكنها لا تختار الاتجاه.
إن القسوة التي توصف بها الحياة ليست دائماً قسوة حقيقية بقدر ما هي انعكاس لغياب الاستعداد، فالعالم لا يعاقب الغافلين بقدر ما يكافئ اليقظين. من يفهم قوانين الواقع يستطيع أن يوجّه مساره، ومن يرفض التعلم منها يظلّ يكرر أخطاءه حتى يظن أن الحظ هو السبب.
وهنا تكمن المفارقة العميقة:
الحياة لا ترحم من يهرب من مسؤولية وعيه، لكنها في الوقت نفسه تمنح فرصاً مذهلة لمن يملك الشجاعة ليواجه الحقيقة.
فالإنسان الذي يستيقظ مبكراً على معنى حياته، ويبدأ في تشكيل ذاته بوعيٍ وإرادة، يكتشف أن العالم ليس عدواً كما يبدو، بل مختبراً مفتوحاً للتجربة والتعلم والنمو. أما من يؤجل هذا الاستيقاظ، فإنه غالباً ما يصحو يوماً ليجد أن سنواتٍ طويلة مرّت بينما كان يظن أنه ما يزال في بداية الطريق.
ولهذا، فإن الرسالة التي تتردد في أعماق التجربة الإنسانية عبر العصور يمكن تلخيصها في عبارة بسيطة لكنها عميقة:
استيقظ… فالحياة لا ترحم الغافلين، لكنها تفتح أبوابها للواعين.
فالوعي ليس رفاهية فكرية، بل هو شرطٌ أساسي للبقاء والتقدم. ومن يمتلك شجاعة الاستيقاظ اليوم، قد يغيّر مسار حياته كلها غداً.
لذلك يبقى السؤال الحقيقي ليس: لماذا الحياة صعبة؟
بل: ما الخطوة الصغيرة التي ستتخذها اليوم لتثبت أنك استيقظت فعلاً؟

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا