د. هانى فاضل يكتب : النجاح في الاتجاه الخطأ

قد تعمل بجد، تتقدم، وتُصفّق لك الحياة، ثم تكتشف متأخراً أن كل ما أنجزته لم يكن إلا جزءاً من حلم شخص آخر، وأنك كنت تمشي بثبات… لكن في اتجاه لم تختره يوماً.

في كل صباح، يدخل أحمد مقر عمله في موعده، يجلس خلف مكتبه، ويشرع في أداء مهامه بدقة وانضباط. لم يكن كسولاً، ولا يفتقر إلى المهارة، بل كان نموذجاً للموظف المثالي ومع ذلك، كان يغادر مكتبه يومياً محمّلاً بإحساس غامض بالفراغ، كأن جهده الكبير لم يترك أثراً حقيقياً في حياته. لم يكن أحمد فاشلاً، بل ناجحاً… لكنه ناجح في الاتجاه الخطأ.

هذا السيناريو شائع في كثير من البيئات المهنية الحديثة؛ أفراد موهوبون يتحولون إلى أدوات تنفيذية ضمن منظومات تمتلك أهدافاً واضحة، بينما يفتقر هؤلاء إلى رؤية شخصية توجه طاقتهم. غياب الهدف لا يعني غياب العمل، بل يعني العمل بلا بوصلة، ويجعل الإنسان عرضة لانقياد التوقعات الخارجية واستهلاك طاقته في تحقيق خطط لا تعبّر عنه.

في البداية، لن تشعر بالفراغ، ولن يأتيك إنذار يخبرك أنك خرجت عن مسارك. ستستيقظ كل يوم، تؤدي ما عليك، تحقق النجاح فيما يُطلب منك، ثم تعود إلى نفسك فارغاً أكثر مما كنت تعمل، تتحرك، وتجتهد… لكنك لا تتقدم.

هنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليس الفشل هو الخطر، بل "الضياع وأنت تظن أنك ناجح" عندما لا تحدد ما تسعى إليه، تفقد القدرة على ترتيب أولوياتك، وتُستهلك طاقتك في تحقيق أهداف لا تخصك ومن يعرف وجهته سيستخدم من حوله للوصول إليها، بينما من لا يعرف وجهته يُستنزف دون أن يشعر.

الهدف ليس رفاهية فكرية، ولا مجرد حلم يُكتب على ورقة. الهدف هو النقطة التي تعيد ترتيب حياتك: وقتك، طاقتك، قراراتك، وحتى صمتك. من دونه تقول نعم كثيراً، تؤجل نفسك، وتبرّر استنزافك على أنه "مرحلة".

الهدف هو أيضاً حرية الاختيار والمسؤولية الذاتية. فالحرية الحقيقية لا تكمن في تعدد البدائل، بل في القدرة على توجيه هذه البدائل نحو غاية ذات معنى، فمن يتنازل عن هذا التوجيه يترك للآخرين رسم مساره، غالباً بما يخدم مصالحهم قبل أي اعتبار آخر.

الجهد وحده لا يصنع قيمة. يمكنك أن تكون أكثر الناس اجتهاداً وانضباطاً، ومع ذلك تكون بعيداً تماماً عن ذاتك فالعمل بلا اتجاه لا يبني حياة، بل يستهلكها ومع مرور السنوات، قد تكتشف أنك أصبحت محترفاً في تحقيق أحلام لا تشبهك، بينما بقيت أنت في مكانك، أكثر خبرة… وأقل وضوحاً.

امتلاك هدف لا يعني رفض الآخرين، بل يعني معرفة متى تعمل ولماذا، متى تقول نعم لأنها تقرّبك، ومتى تقول لا لأنها تسرق منك نفسك. الهدف يمنحك موقعاً واضحاً في العالم، ويحوّل الضغوط إلى سبب للاستمرار لا للاستسلام.

التحول يبدأ بسؤال واحد صادق:
هل ما أفعله اليوم يخدمني فعلا… أم يبعدني عن نفسي؟
حين تحدد هدفك، لن تتوقف الحياة عن الضغط، لكنك ستعرف لماذا تتحمّل. التحديات ستظل موجودة، لكنك لن تشعر بأنك تُسحق بلا معنى. ستعمل كثيراً، نعم، لكنك ستبني حياتك، لا تُستَخدم.

ابدأ اليوم بخطوة نحو نفسك. كل قرار واعٍ، كل "نعم" و"لا" محسوبة، كل عمل تختاره بقلبك وعقلك، هو خطوة نحو حياة تحمل لك معنى حقيقي.

وفي النهاية، تذكّر هذا جيداً:
قد تعمل كثيراً، تنجح، وتبذل أفضل ما لديك، ومع ذلك تشعر أن شيئاً ما ينقصك. ليس لأنك فشلت، بل لأنك لم تتوقف يوماً لتسأل: هل هذا الطريق يشبهني؟ الهدف ليس عبئاً إضافياً على الحياة، بل هو البوصلة التي تمنح الجهد معنى، وتحوّل التعب إلى بناء. وحين تمتلك هدفاً يخصك، لا تتغير قسوة الطريق، لكنك تمشي عليه وأنت تعرف لماذا، ولأجل من، وإلى أين.

ابدأ اليوم بتحديد هدفك، فكل خطوة تقودك نحو نفسك هي انتصار صغير… لكنه الأهم على الإطلاق.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا