د. هاني فاضل محاضر ، استشاري الموارد البشرية وتطوير المنظمات يكتب : إن لم تكن سعيداً… فأنت لست ناجحاً

في صباحٍ مزدحم داخل شركة كبرى خرج المدير العام من مكتبه محاطاً بالمساعدين، هاتفه لا يتوقف عن الرنين  وجدوله ممتلئ، وملامحه متجهمة كأن الراحة باتت فكرة بعيدة. في الطابق نفسه، كان موظفٌ شاب يجلس بهدوء، يحتسي قهوته، ينجز مهامه بإتقان، ثم يغادر مع نهاية اليوم مبتسماً، متفرغاً لأسرته وحياته.

كلاهما ناجح، لكن بطريقتين مختلفتين… والسؤال ظل معلقاً في الهواء:
من منهما يملك النجاح الحقيقي؟
هذا المشهد لم يكن عابراً، كان مرآةً لفكرة شائعة ترى النجاح في المنصب والمال فقط، وتنسى أن الشعور الداخلي هو المقياس الأصدق، فكم من شخص وصل إلى القمة، لكنه لم يشعر يوماً بالطمأنينة؟ وكم من آخر يسير بخطوات بسيطة، لكنه يعيش راضياً عن نفسه؟
كان النجاح دائماً مفهوماً نسبياً.

فهناك من يراه في الترقيات والأرباح، وهناك من يجده في الاستقرار الأسري أو في تطوير ذاته، غير أن النجاح الحقيقي لا يتوقف عند ما نحققه في الخارج، بل يمتد إلى شعورنا بالقيمة والتقدم وفق معاييرنا نحن، لا وفق ما يفرضه المجتمع.

والسعادة؟
ليست ضحكة عابرة ولا لحظة فرح مؤقتة، بل حالة داخلية من الرضا والسكينة تنشأ من تقبل الذات ومن علاقات صحية، ومن شعور بالمعنى، ومن قدرة على التوازن النفسي. قد يملك الإنسان كل شيء، ومع ذلك يفتقد السعادة، وقد لا يملك الكثير لكنه يعيش مطمئناً.

ذات يوم، بدأ شقيقان حياتهما المهنية في الوقت نفسه، الأول ركض بلا توقف خلف الترقيات والأرباح، عمل لساعات طويلة، وحقق إنجازات واضحة، لكنه كان يؤجل راحته دائماً مردداً   “سأرتاح بعد أن أنجح” أما الثاني، فاختار طريقًا مختلفًا؛ عمل بشغف، ووازن بين طموحه وحياته، قدّر خطواته الصغيرة، واستمتع بالرحلة.

مرت السنوات ونجح الاثنان، لكن الفارق كان جلياً: الأول كان يشعر بفراغٍ يتسلل إليه بعد كل إنجاز، والثاني ظل محتفظاً بحماسه ورضاه، يتقدم بثبات دون أن يفقد نفسه.
هنا تتضح الحقيقة:

العلاقة بين النجاح والسعادة متبادلة، لكنها ليست تلقائية فالسعادة الداخلية تعزز التركيز والإبداع والدافعية، وتجعل طريق النجاح أكثر ثباتًا واستمرارية، أما النجاح الذي لا يستند إلى رضا داخلي، فلا يمنح إلا سعادة مؤقتة سرعان ما تتلاشى  السعادة ليست جائزة مؤجلة ننتظرها بعد الوصو بل وقودٌ أساسي للطريق، ومع ذلك، يظل التصور الخاطئ الأكثر شيوعاً هو الاعتقاد بأن السعادة ستأتي تلقائياً بعد النجاح، نربط سعادتنا بأحداث مؤجلة:

سأكون سعيداً عندما تأتي عطلة نهاية الأسبوع…
عندما أحصل على التقدير…
عندما أجد وظيفة أفضل…
عندما أتزوج… أو عندما أنفصل…

وهكذا تتحول السعادة إلى وعدٍ مؤجل، مرتبط بظروف خارجية لا نتحكم فيها، فنعيش أسرى انتظار لا ينتهي. ومع كل هدف يتحقق، يظهر هدف جديد، وتتراجع السعادة خطوة أخرى. ليست المشكلة في الظروف، بل في الطريقة التي ننظر بها إلى حياتنا فبدل أن نغير أسلوب تفكيرنا، نبرمج عقولنا – دون وعي – على تأجيل الرضا.

هذا النمط من التفكير لا يحرمنا متعة الرحلة فحسب، بل يحول النجاح إلى عبء نفسي، ويترك بعض الناس، حتى بعد تحقيق أحلامهم، في حيرة مؤلمة: لماذا لم أشعر بالسعادة؟ لأن الداخل لم يُبنَ على رضا وتوازن.

وهنا يظهر دور التوازن.
التوازن ليس مجرد إدارة وقت بين العمل والحياة، بل حالة وعي نفسي تسمح للإنسان أن يسعى دون أن يفقد قدرته على الاستمتاع. السعي بلا توقف يرهق الروح، والرضا بلا طموح يجمّد الحياة. أما التوازن، فهو فن الجمع بين الطموح والهدوء، بين الإنجاز الخارجي والسلام الداخلي.
فالنجاح الحقيقي ليس سباقاً بلا نهاية، ولا محطة نصل إليها، بل حالة نعيشها ونحن في الطريق.

وما يدهشني حقاً، أنك إن بحثت في القواميس عن معنى النجاح، ستجده محصوراً في تحقيق الأهداف، دون أي ذكر للسعادة أو الفرح. وكأن النجاح بلا روح، وكأن الشعور الداخلي أمر ثانوي.

لكن الحقيقة التي لا يراها إلا صاحبها هي هذه:
قد يراك الجميع نموذجاً لقصة نجاح عظيمة، لكن إن لم تكن سعيداً في أعماقك، فأنت لم تنجح بعد، فالنجاح لا يُقاس بما يراه الآخرون، بل بما تشعر به أنت، وإن لم تستمتع بحياتك أثناء رحلتك نحو أهدافك، مهما كانت عظيمة، فهناك خلل في المعادلة.
لأن النجاح الحقيقي ليس وجهة نصل إليها… بل حالة نعيشها ونحن في الطريق.
د. هاني فاضل       
HR & OD Consultant

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا