السفير الدكتور الحبيب النوبي المستشار فى الديوان الملكي السعودي يكتب : مجلس السلام وأوهام «إسرائيل الكبرى»

هناك قصة رمزية عن حكيم كان يسير في أرض محترقة، فسأله تلميذه: «متى نزرع الشجر هنا؟»، فأجاب الحكيم: «لقد تأخرنا، لذا علينا أن نبدأ الآن فورًا».

ما أحوجنا إلى فهم مغزى تلك القصة في ظل الواقع المأزوم بالشرق الأوسط، حيث الحرائق لا تتوقف، ومحاولات غرس «أشجار السلام» تأتي دائمًا وسط دخان الحروب الكثيف، فضلًا عن الاحتياج الماس لأصوات الحكماء والقادة الأقوياء القادرين على صناعة السلام الحقيقي والمستدام، بعيدًا عن منطق الأوهام، سواء أوهام القوة أو أوهام التمدد والتوسع على حساب أراضي وحقوق الغير.

انعقاد أول اجتماعات «مجلس السلام» في قلب العاصمة الأمريكية واشنطن يمثل لحظة مفصلية ومرحلة جديدة في مسار المنطقة والعالم، تستدعي التوقف والفهم والتحليل، ليس فقط من منظور منطقتنا الأكثر اشتعالًا في العالم، ولكن أيضًا لفهم ما يدور في العقل الاستراتيجي الدولي، وما يمكن أن تقود إليه مهام هذا المجلس، الذي قد يتحول إلى مسار جديد في إدارة العلاقات الدولية، في عالم تتناوشه حالة من «اللايقين»، والغضب من النظام الدولي الحالي، ومخاوف حقيقية من انهياره.

لم يولد مجلس السلام من فراغ، بل استند إلى شرعية دولية منحها له قرار مجلس الأمن رقم (2803) الصادر في نوفمبر 2025، والذي حدد تفويض المجلس كإدارة انتقالية دولية للإشراف على قطاع غزة حتى نهاية عام 2027.
ويهدف المجلس في جوهره إلى توفير «إطار عملي» لإعادة إعمار غزة وتنسيق الجهود الإنسانية، غير أن الطموحات الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تتجاوز الجغرافيا الفلسطينية، لتجعل من المجلس منصة عالمية لحل النزاعات بعيدًا عن «بيروقراطية» الأمم المتحدة التقليدية، وهي مسألة لا تزال محل جدل وعدم توافق حتى بين الدول المنضمة إليه، والتي تحتاج إلى فهم أوضح لأدواره المستقبلية وآليات عمله.

ويمثل الاجتماع الأول لمجلس السلام اختبارًا حقيقيًا لفهم مساره المقبل، سواء في الشرق الأوسط أو على مستوى النظام الدولي، فالمنطقة تمثل «برميل بارود» دائم الاشتعال، وقدرة المجلس على إطفاء حرائقها ستكون معيارًا أساسيًا لمدى نجاحه في الانتقال لاحقًا إلى مسارح دولية أخرى أكثر تعقيدًا.

التحدي الأهم أمام مجلس السلام يكمن في مدى قدرته على أن يكون بالفعل مجلسًا لصناعة السلام، لا مجرد إطار إداري أو إنساني، وأن يلامس جذور الأزمات، لا مظاهرها فقط.

أزمة غزة تمثل الاختبار الأصعب لجدارة المجلس بحمل اسمه، فالمنطقة لا تحتاج فقط إلى مليارات لإعادة الإعمار، بل إلى «عدالة مستدامة» تضمن الحقوق المشروعة للشعوب قبل أي رفاه اقتصادي. فإعادة بناء ما دمرته آلة القتل الإسرائيلية هدف مشروع، لكنه لن يكون كافيًا ما لم يترافق مع منع تكرار «نوبات الجنون الإسرائيلي» التي تدفع المنطقة والعالم ثمنها في كل مرة.

الدور الأسمى لمجلس السلام يجب أن يتمثل في التصدي لمنطق الأوهام:
أوهام فرض الواقع بالقوة، وأوهام «إسرائيل الكبرى» القائمة على التهام أراضي وحقوق الشعوب، وأوهام صناعة الفوضى عبر دعم كيانات انفصالية أو ميليشيات موازية للدولة.
وإذا تتبعنا خيط هذه الأوهام، سنجد بصمات قوى معروفة تسعى لاستغلال حالة الضبابية الدولية لتحقيق مكاسب غير مشروعة، سواء عبر تفكيك دول قائمة، أو خلق كيانات انفصالية غير شرعية، أو تغذية صراعات داخلية تهدد استقرار الدول ومؤسساتها.

في أروقة «معهد دونالد جيه ترامب الأمريكي للسلام» بواشنطن، حيث انعقد الاجتماع الأول للمجلس، برزت ثلاثة مسارات رئيسية:

أولًا: الأولويات العربية
التي ترفض اختزال غزة في بعدها الإنساني فقط، وتؤكد ضرورة أن يكون المجلس جسرًا لعودة السلطة الفلسطينية أو كيان وطني متوافق عليه، لا بديلًا دائمًا للسيادة، مع رفض أي ترتيبات تمنح إسرائيل حرية الحركة العسكرية داخل القطاع، والمطالبة بقوات دولية فاعلة، وربط الإعمار بأفق سياسي واضح لحل الدولتين.

ثانيًا: الأولويات الأمريكية
التي تنظر إلى المجلس كأداة لإدارة المنطقة بمنطق «الصفقات»، عبر التركيز على الاستثمار والاقتصاد، وتقليل الانخراط العسكري المباشر، وتوزيع أعباء الاستقرار على الحلفاء الإقليميين.
ثالثًا: الأولويات الإسرائيلية
وهي الأخطر، إذ تسعى حكومة نتنياهو إلى توظيف المجلس لتحقيق أهداف لم تحسمها الحرب، عبر فرض رقابة أمنية صارمة، و«فيتو» على حركة الأفراد والبضائع، والحفاظ على حرية العمل العسكري، فضلًا عن الدفع نحو تصعيد إقليمي أوسع قد يقوض فكرة السلام من أساسها.

إن نجاح مجلس السلام مرهون بقدرته على فرض إرادة السلام على إسرائيل قبل أي طرف آخر، وتحقيق اختراق حقيقي في ملف غزة، وهو ما سيحدد مستقبله ودوره العالمي.
فالدولة الفلسطينية تظل القطعة الناقصة في لوحة الشرق الأوسط المضطربة، وبناؤها ليس فقط حقًا مشروعًا، بل هو الحل الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار الإقليمي والدولي، بما في ذلك المصالح الأمريكية نفسها.
أما إذا اقتصر دور المجلس على الجوانب الإنسانية والاقتصادية دون معالجة جوهر الصراع السياسي، فسيظل مجرد «مسكن مؤقت» لألم مزمن، لا علاجًا جذريًا له.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل ينجح مجلس السلام في زراعة شجرة السلام في الأرض المحترقة؟
أم تظل أوهام القوة والتوسع أقوى من كل النوايا المعلنة؟
الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا