حين تهل علينا نفحات ذكرى الإسراء والمعراج العطرة في شهر رجب، تعود إلينا واحدة من أعظم المحطات في السيرة النبوية، لتذكرنا بأجلّ حدث وقع للنبي ﷺ، بما حمله من معجزات يقف عندها العقل، ويتحرك لها القلب، وتخشع لها الروح، ويتجلى فيها صدق الإيمان واليقين.
رحلة عظيمة بكل تفاصيلها، من البدء إلى الختام؛ حين حمل البراق النبي ﷺ، فكان الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، مرورًا بسيناء، ثم المعراج بصحبة جبريل عليه السلام إلى السماء العُلى، في زمن لا يعلمه إلا الله. فهي بحساب البشر كانت ليلة واحدة، لكنها في حقيقتها اختراق لقوانين الزمن والمسافة، ومنحة ربانية عظيمة.
جاءت هذه الرحلة بعد محنة شديدة، بعد وفاة الزوجة التي كانت نعم السند والمخفف عن النبي ﷺ عناء ومشاق الدعوة، وبعد وفاة العم الذي كان بمثابة الأب والدرع الواقي له من أذى بني هاشم وكبراء القبائل الذين نصبوا العداء للرسول الكريم. وهنا ندرك حجم الحزن والمعاناة التي مر بها النبي، فجاءت المعجزة لتحمله من ضيق الأرض إلى سعة السماء، ومن ظلم الناس إلى رحمة الله خالق الناس.
لم تكن الرحلة مجرد انتقال مكاني، بل انتقال روحي وإيماني، من الدعوة إلى الله عن طريق الوحي، إلى رؤية ملكوت السماوات والأرض رؤية العين والقلب، والصلاة إمامًا بالأنبياء، ثم الصعود إلى السماء واحدة تلو الأخرى، ورؤية الجنة والنار، وآيات النعيم، وآيات العذاب.
ثم كانت الجائزة الكبرى عند الوصول إلى سدرة المنتهى، حيث وقف جبريل ولم يتقدم، وتجلى المولى سبحانه. وهنا يعجز القلم عن الوصف، وتعجز الكلمات عن تصوير جلال الموقف، ولا يبقى إلا كلام الله عز وجل شاهدًا ومعبّرًا.
قال تعالى في سورة الإسراء، ثم في آيات سورة النجم:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
صدق الله العظيم.
فسبحان من كرم نبيه ورفعه، وأعطاه ما لم يعطِ أحدًا من خلقه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، عليه أفضل الصلاة والسلام.


0 تعليقات