د. كريم ابوعيش يكتب : نحن لا نستمع… نحن ننتظر دورنا في الكلام


كان يتحدث باهتمام يحاول أن يشرح ما يشعر به. وما إن انتهى من حديثه حتى بدأ من أمامه يتحدث عن نفسه وكأن شيئًا مما قيل لم يصل إليه. عندها أدرك أن المشكلة لم تكن في طريقة كلامه بل في أن أحدًا لم يكن يستمع إليه حقًا.

وربما يتكرر هذا المشهد في حياتنا أكثر مما نتخيل. نجلس معًا ونتبادل الكلمات لكن كثيرًا من الحوارات لا يكون فيها استماع حقيقي بل مجرد انتظار حتى ينتهي الطرف الآخر من حديثه لنبدأ نحن الكلام.

لقد أصبح كثير منا يستمع ليُجيب لا ليفهم. وبينما يتحدث من أمامنا ننشغل بصياغة ردودنا أكثر من انشغالنا بفهم ما يريد أن يقوله. لذلك ينتهي الحوار وقد تكلم الجميع لكن قليلين هم الذين يشعرون بأن أحدًا فهمهم فعلًا.

ولهذا لا تبدأ كثير من الخلافات بسبب اختلاف الآراء بل لأن كل طرف يعتقد أنه أوضح ما يقصده بينما لم يمنح نفسه فرصة حقيقية لفهم الطرف الآخر.

ومع مرور الوقت يتحول الحوار إلى تبادل للكلمات لا تبادل للفهم. ويخرج كل طرف مقتنعًا بأنه قال كل ما عنده بينما يبقى في داخله شعور بأنه لم يصل إلى الآخر ولم يصل الآخر إليه.

والاستماع الحقيقي لا يعني أن تلتزم الصمت حتى يأتي دورك بل أن تمنح من أمامك انتباهك وأن تحاول أن تفهم فكرته قبل أن تحكم عليها أو تبحث عن رد عليها.

ولهذا قد يكون المستمع الجيد أكثر تأثيرًا من المتحدث البارع. فالناس قد تنسى كثيرًا مما سمعته لكنها لا تنسى من منحها شعورًا بأنها كانت محل اهتمام وأن كلماتها وجدت من يُنصت إليها.

وربما كانت المشكلة أن كل واحد منا يريد أن يُسمَع أكثر مما يريد أن يسمع. ولهذا لا تضيع كثير من العلاقات بسبب اختلاف الآراء بقدر ما تضيع لأننا نتحدث كثيرًا... ونُنصت قليلًا.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا