بقلم : الشيخ صبحي أبوحامد العيادي .
عبر التاريخ، أثبتت التجربة الإنسانية الموروثة أنَّ سلامة المجتمعات ونجاتها من الأذى تُبنى على وحدة الرأي وصحة المشورة. ولم تكن هذه الركائز مجرد اجتهادات بشرية، بل أقرّها الدين الإسلامي الحنيف وجعلها منهج حياة وقانوناً سماوياً تستهدف مخرجاته تحقيق السِّلم المجتمعي، والأمان، والتقدُم. ففي
الهدي النبوي نجدُ مبدأ _الشورى _
فلقد حدد نبينا محمد _صلى الله عليه وسلم_ آلية حسم الأمور وتنظيم القيادة في أبسط صورها، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحلُّ لثلاثة نفرٍ يكونون بفلاةٍ من الأرضِ إلا أمَّروا عليهم أحدهم" رواه أحمد في المسند عن عبد الله بن عمرو. وفي لفظٍ آخر ( إذا كنتم ثلاثةفأمِّروا أحدكم)، ليضع _صلى الله عليه وسلم _بذلك أساساً يقطعُ الطريقَ على الشقاق وتسلل الأهواء .وهو يشير بذلك ايضا إلى أنَّ ولاية الناس من أعظم واجبات الدين، وأن المسلمين لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ويتكامل هذا المبدأ مع التوجيه القرآني الخالد في قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) (الشورى: 38). وفي قوله تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء (59)) .
.إنَّ تنصيبِ _كبير القوم _أو _صاحب المشورة_ لم يكن يوماً مجرد منصب للوجاهة أو الكبرياء، بل هو استجابة لأمر إلهي يُسهم في حفظ التوازن وضمان الاستقرار الاجتماعي متى ما تحقق التزام الناس به.
والأعراف العرفية اتخذت هذه المبادئ والأسس الإسلامية وجعلتها على أرض الواقع
فانعكست هذه المبادئ الإسلامية على التكوين الاجتماعي في القبائل العربية والعائلات الريفية .فالأعراف العرفية في القبائل العربية اقرت تكوين اجتماعي يبدأ من الخمسة(هم الرجال يجتمعون في الجد الخامس)وتعلو للعشيرة والقبيلة والاحلاف والصف والقِلد .
أو _كبير البيت _و _ كبير العائلة _وشيخ البلد في الأعراف الريفية .
كلاهما أسست لنظام اجتماعي محكم يعتمد على تقديم الأكبر سناً وأكثرهم خبرة وتجربة.
.وكان لـ _كبير الخمسة_ أو شيخ العرب و _كبير البيت_ أو شيخ البلد الكلمة النافذة والاحترام المتبادل من الجميع صغيرا كان أو كبيرا. فتُحل المشكلات، وتُحقن الدماء عبر جلسات التحكيم العرفي، وتعود المودة دون تكرار للخطأ.
.فالقانون العرفي الأصيل في جوهره لم يكن إلا تطبيقاً عملياً لروح الشرع الشريف على أرض الواقع.
.ومع تخلخل هذا البناء المتماسك والنظام الإجتماعي الأصيل، غاب السلام وحلَّت الفوضى، و حلَّ الظُلم بدلا من الحق لصالح الحقد والبغضاء.
وما نراه اليوم من تهور بعضُ الشباب، وردهم للإساءةِ بأشدُّ منها، يعكس غياباً واضحاً للوقارِ والرحمة اللذين حثّ عليهما النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : ( ليسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، ويُوَقِّرْ كَبِيرَنَا). وفي رواية أخرى: (ويَعرِفُ شرفَ كبيرنا). فدعى _صلى الله عليه وسلم _للرحمة بالصِّغارِ وتوجيههم وتوقيرِ الكبار واحترامهم .
.و يتنافى هذا التهور مع النهي القرآني عن الظلم والحث على العفو والصلح كما جاء في قوله تعالى: (وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ) الشورى آية ٤٠.
.ولم يكن هذا التراجع الأخلاقي وليد المصادفة، بل كان جزءً منه نتيجة لتراكمات درامية وإعلامية عمدت - منذ عقود - إلى تشويه صورة القدوة الحسنة وكسر هيبة _الكبير_ من خلال تقديم نماذج درامية متهالكة أو ساخرة للرمز المجتمعي من الرجال والمعلم والأب، والأمثلة موثقة وكثيرة يعرفها من له عقل وهو رشيد .
فكانت سبباً رئيسياً في هزِّ ثقةِ الأجيالِ بالأعرافِ وبالمحكّمين ، وارتفع صوتُ الباطلِ على حسابِ الحقِّ والعدل، لصالحِ الحقدِ والبغضاءَ والكراهية.
.إنَّ الخروج من حالةِ التدهور الأخلاقي وفقدان الأمان لا يكون إلا بالعودةِ الصريحة والواعية إلى تعاليم ديننا الحنيف وعادات أجدادنا، عودة تُعيد لـ _كبير القوم _ مكانته وهيبته، وتُعلي من شأن القدوة والمشورة، ليعود للمجتمع استقراره وسعادته وتآلف أبنائه.
.ونأمل ان يتحقق ذلك الهدف النبيل بتضافر جهود شيوخ وكبار القبائل والعائلات والاتحادات والمؤسسات الأهلية والحكومية لخلق رؤية مستقبلية لأجيال أفضل مما هم عليه الآن في وطنٍ جميل من قديم الزمان ومازال ويستحقُ كلَّ جهدٍ وتعب لسلامةِ مجتمعه ووحدة أراضيه .
هدانا الله وإياكم سُبل السلام وعلى الله قصدُ السبيل.


0 تعليقات