لا ينكر أحد فرحة المصريين بإنجازهم الكروي التاريخي الذي حققه الجيل الحالي لمنتخب مصر لكرة القدم وسبب الفرحة لا يرجع لصعود مصر لدور الستة عشر فقط ولكن لأن المصريين شعروا أن فريقهم وللمرة الأولى منذ سنوات يلعب دون خوف بل ويهاجم الفرق التي قابلها لدرجة أنه سجل في هذا المونديال ثمانية أهداف في معدل تهديفي غير مسبوق مما جعل المصريين يشعرون بالفخر بفريقهم الذي رفع راية الوطن بشكل مشرف في هذا المحفل العالمي الأكبر. غير أن هذا العرس الكروي سرعان ما أصابته غصة منغصة ، لم تأتِ هذه المرة من المستطيل الأخضر، بل من منصات إعلامية " رياضية وغير رياضية " تخلت عن مسارها المهني والأخلاقي، وتحولت إلى معول لإفساد بهجة الجماهير وتشويه صورة الأبطال.
لقد انحرف الإعلام في تناول هذا الحدث بشكل لافت للنظر ؛ فبدلاً من التركيز على الأداء الفني داخل الملعب، وكيف أجاد المدير الفني في إدارة المباريات وكيف خطط لها وما هي السلبيات التي واجهتنا وكيف كانت أدوار اللاعبين واستعدادتهم للمباريات خاصة عند لقاءات الفرق الكبرى وكيف أثرت اللياقة البدنية علينا في الأمتار الأخيرة وكيف سنبني على هذا النجاح وكيف نعد العدة من الآن للمونديال القادم انزلق المحتوى إلى مستنقع "التريند" وإثارة الجدل الرخيص عبر تتبع سقطات النجوم وعورات البيوت. فأصبح المشاهد يرى شاشات تفتح أبوابها لاستضافة زوجات اللاعبين، الذين شغلتهم الشهرة الشخصية وليست شهرة أزواجهم من اللاعبين وكذلك أمهات اللاعبين وأبائهم وعائلاتهم، في استعراض مجاني للأسرار الشخصية التي لا تعني الرأي العام في شيء. والتي من شأنها أن تقلل من قيمة اللاعب الذي بذل مجهودا كبيرا ليصل إلى تلك المكانة لقد رأينا كيف يؤدي أقحام تفاصيل لا تخص الناس ولا تعنيهم إلى الهجوم على بعض اللاعبين الذين كان يهتف الجمهور بأسمائهم منذ أيام ، ماذا يعنينا ويعني الناس من غيرة الأم من زوجة الإبن وماذا يعنينا من زواج أو طلاق لاعب أو مدرب وكيف يستضيف الإعلام مطلقة لتظهر وتتكلم في أسرار لا تعنينا في صراعات واضحة بين الضرائر ، والسؤال الذي يطرح نفسه هل هذه هي المهنية في الإعلام هل المهنية هي إظهار عورات البيوت إن ما حدث ليس عملاً مهنياً ولا أخلاقياً بأي حال، بل هو تجارة بخصوصيات النجوم ولهث سيء خلف ترندات أسوأ أثمرت نتائج عكسية ساهمت في خفض أسهم اللاعبين وجعلتهم مادة للتهكم، مما أفقد الإنجاز بريقه الصافي . إنني أدعو الإعلام الرياضي وغير الرياضي وأدعو جميع اللاعبين أن يتعلموا من النجم الكبير محمد صلاح الذي يمتلك عقلية أهلته للوصول لتلك المكانة العالمية والتي أشاد بها الجميع وأكدوا أنه يملك عقلية مختلفة فالكابتن محمد صلاح يعرف متى يظهر في الإعلام ومع من يظهر ومتى يختفي عن الأعين ويعرف كيف يتكلم وماذا يقول والحديث معه لابد ان يكون له حدود وكل كلمة تخرج من فمه بميزان النجوم فعلا .
إن الفارق الجوهري بين الرياضي المحلي والنجم العالمي يكمن في طريقة التفكير والعقلية، فهنا في مصر يوجد لاعبين أكثر مهارة من محمد صلاح لكنهم لا يملكون عقليته الإحترافية هنا في مصر لاعبين موهوبين بمعنى الكلمة لكنهم يحبون السهر وعدم الإلتزام ويحبون كذلك الظهور في الإعلام ومتزوجون من بلوجرز يحبون الشهرة والمال أيضا ولا يريدون الإلتزام بقيود الإحتراف فهذه العقليات لن تنجح في الخارج إذا خرجت للإحتراف كان من الأولى بهؤلاء الإعلاميين أن يركزوا على النجم محمد صلاح كنموذج للاعبين الحاليين ولكل من يتمنى أن ينجح كلاعب محترف في الخارج ؛ فعقليته الاحترافية، والتركيز المطلق على تطوير أدائه داخل الملعب، ومعرفته الدقيقة بحدود الفاصل بين حياته المهنية والشخصية، هي العوامل الحقيقية التي أهَّلته للوصول إلى هذه المكانة العالمية الفريدة ونيل احترام العالم. فالجمهور يبحث عن عقلية الرياضي، وكيف يخطط للفوز، وكيف يمثل بلده كقدوة تلهم الشباب، وليس عن تفاصيل حياته العائلية خلف الأبواب المغلقة.
ختاماً :
وتجاوزاً لمرحلة النقد نحو البناء، فإننا ندعو المؤسسات الرياضية والأندية إلى ضرورة تبني برامج علمية متكاملة لتأهيل النجوم إعلامياً. إن اللاعب الذي يصل إلى المستوى العالمي ويصبح تحت أنظار العالم، يحتاج إلى تدريب احترافي يُمكّنه من التحدث أمام الجمهور والكاميرات ومخاطبة الرأي العام بوعي وثبات. إن حماية نجومنا تبدأ من إعدادهم إعلامياً لصد محاولات الاستدراج، بالتوازي مع التزام المنصات الإعلامية بمسؤوليتها المهنية والأخلاقية، ليبقى المونديال ساحة للفخر الرياضي الخالص، بعيداً عن صخب النميمة وصناعة الأزمات المفتعلة.


0 تعليقات