كم مرة سمعنا عن شخص كان يظن أن أحدًا لا يعرف حقيقته؟ وكم مرة فوجئ الناس بأسرار ظلت مخفية سنوات طويلة ثم ظهرت فجأة أمام الجميع؟ في تلك اللحظات يدرك الإنسان أن هناك أمورًا كثيرة كانت مستورة وأن الستر نعمة أكبر مما يتخيل.
من أعظم النعم التي يعيش فيها الإنسان نعمة الستر. فكم من خطأ وقعنا فيه ولم يعلم به أحد وكم من موقف كان يمكن أن يسبب لنا حرجًا كبيرًا لكن الله ستره وكم من عيوب وأخطاء لا يراها الناس فينا. ولو انكشف للناس كل ما يخفونه عن بعضهم البعض لتغيرت أشياء كثيرة في حياتنا.
لكن المشكلة أن بعض الناس تعتاد هذا الستر حتى تظن أن ما تفعله لن يُكشف أبدًا. ومع مرور الوقت قد يتمادى البعض في الخطأ أو ظلم الآخرين أو أكل حقوقهم معتقدين أن الأمور ستظل كما هي وأن أحدًا لن يعرف الحقيقة. وهنا يبدأ الإنسان في خداع نفسه قبل أن يحاول خداع الآخرين.
ونرى ذلك أحيانًا في حياتنا اليومية. فهناك من يسيء إلى الناس مستندًا إلى منصب أو نفوذ وهناك من يأكل حق غيره وهو مطمئن وهناك من يظن أن الكذب والخداع يمكن أن يستمرا إلى الأبد. وربما يمر وقت طويل دون أن يحدث شيء فيظن أن الأمر انتهى وأنه نجح في الإفلات من نتائج أفعاله.
لكن الحياة علمتنا أن كثيرًا من الأمور لا تبقى مخفية إلى الأبد. فكم من أسرار ظلت سنوات طويلة ثم ظهرت في لحظة وكم من أشخاص كانوا يعتقدون أن الحقيقة لن يعرفها أحد ثم اكتشفوا أن الأيام كانت تخبئ لهم ما لم يتوقعوه.
الستر ليس دليلًا على أن الإنسان يسير في الطريق الصحيح دائمًا بل قد يكون فرصة يمنحها الله له حتى يراجع نفسه ويصحح أخطاءه ويعيد الحقوق إلى أصحابها. والعاقل هو من يستفيد من هذه الفرصة قبل أن تأتي لحظة الندم.
ولذلك لا تجعل ستر الله عليك سببًا في الاستمرار في الخطأ ولا تظن أن تأخر ظهور الحقيقة يعني أنها لن تظهر أبدًا. فالأيام تكشف كثيرًا مما يظنه الناس مستحيل الانكشاف والحقوق لا تموت لمجرد أن أصحابها صمتوا عنها.
فكل إنسان يحتاج من وقت لآخر أن يراجع نفسه ويسأل: ماذا لو انكشف كل ما أخفيه؟ وماذا لو جاء يوم لم يعد فيه هناك ما يستر أخطائي أمام الناس؟
فليحذر كل إنسان من أن يظن أن الستر سيبقى مهما فعل وأن الفرص ستظل متاحة مهما أخطأ. فربما تأتي لحظة يكتشف فيها أن ما كان يراه أمرًا مضمونًا قد انتهى.
وحينها قد يجد نفسه أمام عبارة لم يتخيل يومًا أن يراها:
عفوًا… لقد نفد رصيدكم من الستر.


0 تعليقات