في زمن اختلاط المهن… صرخة في وجه العبث الإعلامي وتحية للصحافة الحقيقية

✍️ : ضياء مصطفى

في هذا الزمن العجيب الذي اختلطت فيه المفاهيم وتداخلت فيه المهن، أصبحنا نرى ظاهرة مؤسفة تتكرر أمام أعيننا دون رادع أو وعي حقيقي، وهي ظاهرة من يطلقون على أنفسهم “إعلاميين” و“صحفيين” دون أن يمتلكوا الحد الأدنى من أدوات المهنة أو احترام قدسيتها.

لقد بات من المحزن أن تُختزل الصحافة، تلك المهنة العريقة التي تقوم على البحث والتدقيق والتحقق وصياغة الكلمة بمسؤولية، في مجرد منشورات مرتجلة، أو محتوى هزيل لا يستند إلى قواعد، ولا يحترم أصولًا مهنية، ولا يراعي حتى أبسط معايير اللغة أو المصداقية. والأدهى من ذلك أن نجد من يتصدر المشهد بلا علم ولا تدريب، ثم يجد من يصفق له ويشجعه كأننا أمام إنجاز مهني، بينما الحقيقة عكس ذلك تمامًا.

إن ما يؤلم حقا ليس فقط وجود هؤلاء، بل وجود جمهور يصفق ويبارك ويمنح الشرعية الزائفة لمحتوى ضعيف ومهزوز، مكتوب بعشوائية واضحة، مليء بالأخطاء اللغوية والمهنية، لا يرقى إلى مستوى سطر واحد في جريدة محترفة. فأين أصول المهنة؟ وأين قواعد التحرير؟ وأين احترام القارئ الذي يستحق محتوى يليق بعقله ووعيه؟
وفي المقابل، نجد الصورة الحقيقية للصحافة التي تُبنى بعرق وجهد. صحفيون شرفاء يعملون في صمت، يراجعون ويحققون ويتواصلون ويبحثون عن الحقيقة وسط ضغوط العمل وتسارع الأحداث. فرق تحرير متكاملة تسهر الليالي من أجل إخراج عدد صحفي يليق بالمهنة، بدءًا من الكاتب والمحرر، مرورًا بمراجع اللغة، وانتهاءً بمكتب الإخراج والتجهيزات، حتى يصل المنتج النهائي في صورة مشرفة تحفظ للصحافة قيمتها ومكانتها.

ولعل ما يزيد الألم في المشهد، أن البعض اليوم بات يعتمد على أدوات أو برامج جاهزة لإنتاج “محتوى صحفي” أو حتى إعداد جريدة كاملة، دون فهم حقيقي للرسالة الصحفية، أو إدراك لمعنى المسؤولية الأخلاقية تجاه الكلمة. فالصحافة ليست قالبًا يُملأ، ولا نصًا يُنسخ، بل هي وعي، ورسالة، ومصداقية قبل كل شيء.

إن ما نراه اليوم يدعونا إلى التوقف أمام هذا الانحدار في المفاهيم، وإعادة الاعتبار للمهنة وأهلها الحقيقيين، أولئك الذين تعلموا وتمرّسوا واحترموا القواعد، ولم يتعاملوا مع الصحافة كوسيلة للشهرة أو الظهور، بل كرسالة لها قدسيتها.

وفي الختام، لا يسعني إلا أن أتوجه بخالص الشكر والتقدير لكل صحفي حر، ولكل إعلامي أصيل، لكل من ما زال يحافظ على شرف الكلمة ونزاهة المهنة، ويعمل في صمت ليبقى صوت الحقيقة حاضرًا رغم كل الضجيج.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا