حكاية وطن لم تُروَ بعد ... لماذا لا تصل قصة التنمية إلى الناس؟


تخيل أنك تسير في الشارع، فترى لافتة ضخمة تعلن عن مشروع قومي جديد، أو تسمع في نشرة الأخبار أرقامًا مبهرة عن نسب النمو. هل شعرت أن لهذه الأرقام طعمًا في حياتك اليومية؟ هل لمستها في قوت يومك، في تعليم أبنائك، في فرصة عمل جديدة؟ غالبًا، الجواب هو لا. والمشكلة ليست فيك، وليست بالضرورة في غياب الإنجاز، بل في الطريقة التي تُروى بها "حكاية" هذه الإنجازات.

التنمية الحقيقية لا تكتمل بالأرقام وحدها، بل تحتاج إلى قصة تحملها وتُوصلها إلى قلب كل مواطن.

ما بين وثيقة وقصة:
أعدّت الدولة المصرية وثيقة مهمة وطموحة تحت اسم "السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية". هذا الجهد في حد ذاته خطوة متقدمة تستحق التقدير، فهي ليست مجرد تقرير حكومي جاف، بل محاولة حقيقية لصياغة رؤية موحدة لمستقبل مصر الاقتصادي، انطلاقًا من رؤية مصر 2030. لكن، هل تكفي الوثيقة، مهما كانت غنية بالمعلومات، لصناعة قصة مؤثرة؟

الفرق الجوهري بين التقرير والسردية بسيط:
التقرير يُجيب عن سؤال "ماذا حدث؟" (أنفقنا مليارات، بنينا كباري، حققنا نموًا). أما السردية فتُجيب عن السؤال الأهم الذي يدور في عقل مصري: "لماذا يهمني هذا؟ وما دوري أنا فيه؟"

هنا تكمن الفجوة. الوثيقة الحالية، كما تُظهر التحليلات المتخصصة، ما زالت أقرب إلى خطاب موجه للخبراء والنخبة الأكاديمية. فهي مليئة بالتفاصيل الفنية والمصطلحات المعقدة، وتتجاوز في مجملها الألف صفحة، ويسبقها مخلص تنفيذي قرابة الخمسون صفحة. تخيل أن تطلب من مواطن بسيط، أو مستثمر مشغول، أن يقرأ ملخصًا تنفيذيًا يقع في 50 صفحة (بعد اصدار النسخة الثانية)! ألن يكون هذا كافيًا ليفقد اهتمامه قبل أن يبدأ؟

لماذا لا تتحول الإنجازات إلى فخر في قلوبنا؟
انظر حولك. كم مرة سمعت تصريحات متضاربة من مسؤولين في قنوات مختلفة في نفس اليوم؟ هذا التضارب يفقد الناس الثقة ويجعلهم يتساءلون: هل هناك خطة واضحة أصلاً؟ هذا ما يسميه الخبراء 

غياب الاتصال المركزي المنسق. 
المشكلة ليست في الأفراد، بل في غياب "منظومة وطنية موحدة للتواصل". تخيل أن كل وزارة تعزف لحنًا مختلفًا، بدلًا من أن تعزف جميعها سيمفونية وطنية واحدة.

كذلك، تعتمد الوثيقة على كلمات رنّانة مثل "الجمهورية الجديدة" و"المشروعات القومية". هذا ممتاز، ولكن: أين قصص الناس خلف هذه الكلمات؟ أين حكاية العامل الذي تعلم حرفة جديدة في مشروع "حياة كريمة"؟ أين قصة الشاب الذي أسس شركة ناشئة بفضل دعم الدولة؟ السردية الحقيقية ليست في سرد الإنجازات، بل في بناء رحلة نعيشها معًا؛ تبدأ من التحدي، وتمر بالرؤية والأدوات، وتصل إلى قصص مواطنين حقيقيين تغيرت حياتهم.

بدون هذه القصص الإنسانية، تبقى السردية "قوية مؤسسيًا ولكنها باردة شعورًا"، ناجحة في العرض، ضعيفة في الإلهام.

الوصفة: من خطاب النخبة إلى حكاية الشعب
كيف نصلح هذا؟ كيف نحول الوثيقة إلى سردية فاعلة تبني الوعي وتستنهض الهمم؟ الحل يتطلب ثلاثة تحولات جوهرية:

التحول من العرض إلى القصة:
 كما قلنا، لا تسرد الإنجازات، بل احكِ رحلتها. لتكن الموازنة العامة مثلًا قصة أرقامها أبطالها مشاريع وخدمات، وليس مجرد جداول. ليقف المواطن في قلب الحكاية، بطلًا وشريكًا وليس مجرد متفرج.

التحول من الجمهور الواحد إلى خرائط الجمهور:
 لا يمكن أن تتحدث بنفس اللغة للمزارع في أسوان، والمستثمر في دبي، والصحفي في القاهرة. لكل منهم لغة ومفتاح لقلبه وعقله. المزارع يريد أن يعرف: "كيف سيحسن هذا المشروع ريّ أرضي؟"، المستثمر يريد: "ما الفرصة الواضحة والمضمونة؟"، والصحفي يريد: "ما القصة الجاهزة التي يمكنني نقلها بسهولة؟".

التحول من الخطاب المنعزل إلى الاتصال المنسق: التشتت يقتل الرسالة، والحل هو إنشاء مركز وطني موحد للتواصل التنموي، يشبه "غرفة عمليات" إتصالية، يضمن أن كل الوزارات والمسؤولين يروون الحكاية ذاتها، بتناغم وتكامل، وبلغة واحدة موجهة نحو المستقبل. هذا هو جوهر "الأمن القومي الاتصالي".

الخلاصة: مصر تملك خير حكاية... فمن يحكيها؟
الدول لا تضعف فقط حين تفشل في التنمية، بل حين تفشل في حكاية قصتها. والمشكلة ليست أن الدولة لا تعمل، ولا أن الناس ترفض الإنجاز، بل أن المسافة ما زالت واسعة بين ما يُنفَّذ على الأرض وما يصل إلى وجدان المواطن. ومصر اليوم لا ينقصها مشروع تنموي، بل تحتاج أكثر إلى "حكاية جامعة" تُعيد ربط الناس بما يحدث حولهم، وتحوّل التنمية من نشرات رسمية إلى تجربة يعيشها الناس يوميًا.

ومصر، بما لديها من تاريخ وطموح وإنجازات حقيقية، تملك كل مقومات "حكاية وطن" عظيمة، والجهد المبذول في إعداد السردية الوطنية هو بداية ممتازة، لكن الطريق من الوثيقة إلى الوجدان لا بد أن يمر عبر إعادة هندسة اتصالية شاملة، تنتقل بنا من منطق التبليغ إلى منطق الحوار والإلهام والمشاركة.

السرديات الوطنية ليست ترفًا إعلاميًا، إنها الأداة التي تحول خطط التنمية من حبر على ورق إلى نبض في قلوب الملايين.

لهذا، فإن التحدي الحقيقي لم يعد: "ماذا أنجزنا؟"
بل: "كيف نجعل الناس يشعرون أن هذه الحكاية تخصهم؟"

لأن أعظم السرديات الوطنية ليست تلك التي تكتبها الحكومات فقط، بل تلك التي يرددها الناس من تلقاء أنفسهم، فتتحول إلى قوة تحفيز وتعبئة لا تُستجلب من الخارج، بل تنبع من الداخل.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا