في الطابق الخامس من مبنى زجاجي يلمع تحت الشمس حتى يكاد يقنع العابرين بأن الشفافية صفة معمارية يمكن شراؤها، كان سامح يصل قبل الجميع. يدخل باكراً كما لو أن الزمن مورد شخصي يجب احتلاله، ويغادر متأخراً كمن يوقّع حضوره على جدران الليل.
كان يقيس نجاحه بعدد الساعات التي يمكثها أمام شاشة مضيئة وعدد الرسائل التي يرد عليها وعدد الاجتماعات التي يحمل اسمه في جدولها، غير أن الضوء المنعكس على الواجهة لم يكن سوى استعارة لشفافية مزعومة؛ فمن الخارج يبدو كل شيء منتجاً، منضبطاً، صاخباً بالحركة، ومن الداخل كان ثمة صراع صامت بين تصورين للعمل: تصور يساوي بين الإرهاق والالتزام، وآخر يرى في التفكير العميق المصدر الحقيقي للقيمة.
سامح كان وريث الفلسفة الأولى؛ أخلاق الواجب في صورتها الأكثر ميكانيكية كان يؤمن كما يؤمن كثيرون أن العمل الشاق فضيلة قائمة بذاتها، وأن التعب شهادة استحقاق غير مكتوبة ومع ذلك، لم يكن أكثر تأثيراً، بل كان فقط أكثر إنهاكاً. كان يتعامل مع العمل بوصفه فعلاً جسدياً قبل أن يكون فعلاً ذهنياً، ويحسب ذاته بالأرقام القابلة للعدّ: ساعات، ملفات، مكالمات. لم ينتبه إلى أن الزمن ليس مادة خام تُستهلك، بل رأسمال يُستثمر، وأن الكثرة قد تخفي خواءً بنيوياً إذا غاب السؤال عن الجدوى.
في الجهة الأخرى من الفضاء نفسه، كانت ليلى تمارس حضوراً مختلفاً. تصل في موعدها وتغادر في موعدها تقريباً، لا تستعرض انشغالها ولا تشتكي من ضغط العمل، ومع ذلك تنتهي مشاريعها أسرع، وأخطاء فريقها أقل، ونتائجها أوضح. الفارق لم يكن في مقدار الجهد، بل في هندسته. كانت تتحرك ضمن وعي يضع الاتجاه قبل السرعة، والاختيار قبل الفعل، بالنسبة لها لم يكن السؤال: كم نتحرك؟ بل: إلى أين نتحرك؟ وما الذي نصنعه حقاً؟
هذا التباين لا يُختزل في اختلاف طباعي بين شخصين، بل يعكس تحوّلاً إبستمولوجياً في فهم العمل ذاته داخل الإدارة المعاصرة. المؤسسات التي استطاعت البقاء في قلب المنافسة لم تفعل ذلك بتمديد ساعات العمل، بل بإعادة تعريف ماهية العمل.
تجربة تويوتا في منتصف القرن العشرين تقدم مثالاً دالاً: حين وجدت نفسها في مواجهة عمالقة الصناعة الأمريكية، لم تكن تملك وفرة الموارد، وكان بإمكانها أن تختار منطق الكثافة: مزيد من الساعات، مزيد من الضغط، مزيد من الإنتاج. لكنها اختارت سؤالاً أعمق: أين يُهدر المعنى داخل العملية الإنتاجية؟
من هنا نشأ نظام الإنتاج الرشيق (Lean Production) لا كتقنية إجرائية فحسب، بل كتصور أنطولوجي جديد للعمل. كل خطوة لا تضيف قيمة تُعد عبئاً ينبغي تفكيكه، ليس الهدف تشغيل العامل أكثر بل تحريره من الحركات غير الضرورية؛ ليس تعظيم الكمية، بل تقليص الفاقد المعرفي والزمني حتى قرار إيقاف خط الإنتاج عند ظهور خطأ وهو قرار يبدو مكلفاً في ظاهره يعكس وعياً بأن الوقاية أقل كلفة من الترميم، وأن الخطأ الصغير المتكرر يستنزف أكثر مما يوفره التسرع.
بالمنطق ذاته، حين اقترح سامح في أحد الاجتماعات زيادة عدد الموظفين، كان يفكر بلغة الكتلة: مزيد من الأيدي يعني مزيداً من الإنجاز. أما ليلى فطرحت سؤال التصميم: هل الخلل في الجهد أم في البنية؟ وحين أُعيد توزيع المهام، وقُلّصت الاجتماعات، وحددت الأولويات، لم ترتفع ساعات العمل، بل انخفض الهدر غير المرئي. هنا يتجلى الفرق بين من يعالج الأعراض ومن يعيد صياغة النظام.
على مستوى أعمق، يمكن قراءة هذا التحول بوصفه انتقالاً من “أخلاق الواجب” إلى “أخلاق المسؤولية”. في الأولى يكفي الامتثال لما يُطلب، بغض النظر عن أثره؛ في الثانية يصبح السؤال عن النتائج جزءاً من الفعل ذاته. الأولى تنتج طاعة منظمة، والثانية تنتج وعياً نقدياً. وسوق العمل المعاصر، في سياق الاقتصاد المعرفي، لا يكافئ الامتثال بقدر ما يكافئ القدرة على توليد معنى.
يتكرر المشهد في تجربة مايكروسوفت مع ساتيا ناديلا. لم تكن أزمة الشركة تقنية بقدر ما كانت ثقافية؛ عقلية “نحن نعرف كل شيء” جعلت الدفاع عن المواقف أهم من التعلم ومع التحول نحو عقلية “نتعلم باستمرار”، لم تُطلب ساعات أطول، بل انفتاح أكبر، وتعاون أعمق، واستعداد دائم لمراجعة المسلمات. التغيير لم يكن في حجم العمل، بل في نوعية الوعي الذي يقوده.
العمل الذكي، بهذا المعنى، ليس مهارة إدارة وقت فحسب، بل ممارسة وجودية تعترف بأن الطاقة محدودة، وأن الانتباه رأس مال معرفي، وأن القرار أهم من الحركة. الانشغال الدائم قد يمنح شعوراً زائفاً بالأهمية، لكنه يبدد القدرة على التفكير الاستراتيجي. أما اختيار عدد محدود من الأولويات الجوهرية، فيبني أثراً يتجاوز اللحظة.
مع الوقت، أدرك سامح مفارقة مؤلمة: حضوره الدائم لم يجعله محورياً. كان موجوداً في كل مكان، لكنه لم يكن فاعلاً في الاتجاه. اكتشف أن الحضور الفيزيائي لا يعني حضوراً تأثيرياً، وأن الإرهاق ليس برهاناً على القيمة. بدأ يقلص المقاطعات، يخصص وقتاً للعمل العميق، يفوض بدلاً من أن يحتكر، ويقيس أداءه بالنتائج لا بالمدة. كان عليه أن يهدم وهماً ثقافياً راسخاً: أن المعاناة فضيلة في ذاتها. غير أن المؤسسات المستدامة لا تمجد المعاناة، بل تمجد الفعالية؛ لا تكافئ آخر من يغادر المكتب، بل من يجعل وجوده فرقاً نوعياً.
لم يكن الفرق بين سامح وليلى في النية ولا في الإخلاص" كلاهما أراد النجاح" لكن أحدهما رأى العمل تراكماً للجهد، والآخر رآه فناً لتوجيه الجهد. وبين هذين التصورين يتحدد مصير الأفراد كما تتحدد استدامة المؤسسات. فثقافة الانشغال قد تمنح تصفيقاً عابراً، أما ثقافة القيمة فتبني أثراً ممتداً. لم يعد السؤال: كم ساعة تعمل؟ بل: أي أثر تترك؟ وليس كل ما يمكن فعله ينبغي فعله؛ ففن العمل، في جوهره، هو فن الاختيار – اختيار الأولويات، واختيار التوقيت، واختيار ما يستحق أن نمنحه أعمارنا.
في النهاية، ليس العمل ساحة لإثبات قدرتنا على الاحتمال، بل فضاء لاختبار قدرتنا على الاختيار. الإرهاق قد يصنع ضجيجاً، لكنه لا يصنع أثراً؛ والحركة قد تملأ الوقت، لكنها لا تمنح المعنى. ما يصنع الفارق حقاً هو الوعي الذي يسبق الفعل، والبصيرة التي توجه الجهد نحو ما يبقى. فالمستقبل لا يُكافئ الأكثر انشغالاً، بل الأكثر إدراكاً لقيمة ما يفعل.


0 تعليقات