في زحام الحياة اليومية، أصبح الإنسان يستيقظ مُسرعًا، وينام مُرهقًا؛ وكأن الأيام تحوّلت إلى سباقٍ طويلٍ لا يعرف نهايته. الجميع منشغل؛ فهذا يركض خلف لقمة العيش، وآخر يطارد النجاح، وثالث غارق في مسؤولياته، حتى أصبحت الحياة تُدار بعقلية: «أنجز أكثر توقّف أقل!».
لكن، وسط هذا الضجيج، حدث شيءٌ خطيرٌ بهدوء؛ نسي الإنسان نفسه..!
ولعلّ القرآن أشار إلى هذه الحالة بوضوحٍ حين قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾.
وفي المعنى نفسه، قال النبي ﷺ:
«اغتنم خمسًا قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».
وكأن الرسالة هنا واضحة؛ أن الإنسان إذا انشغل بالدنيا حتى ابتعد عن الله، وخسر علاقته بنفسه وروحه؛ فلن تنفعه كثرة الإنجازات، ولا صخب الحياة، ولا تصفيق الناس له.
فحين تزدحم الدنيا في قلب الإنسان، وتتراجع علاقته بالله؛ يفقد شيئًا من طمأنينته الداخلية، مهما بدا ناجحًا أمام الجميع. ولذلك؛ أصبح كثيرٌ من الناس يعرفون أخبار العالم لحظةً بلحظةً، لكنه يجهل ما يحدث داخله..!
ولم يَعُد الأمر مقتصرًا على الانشغال بالحياة فقط؛ بل امتدّ إلى انشغال الإنسان بالناس أكثر من انشغاله بنفسه. يراقب تفاصيل الآخرين، ويتابع نجاحاتهم، ويُرهق قلبه بالمقارنات، ويستهلك طاقته في إرضاء هذا، ومتابعة ذاك، وإثبات نفسه أمام الجميع؛ حتى أصبح يعرف ما يُسعد الناس وما يُغضبهم، بينما يجهل تمامًا ما الذي يُرهق روحه هو.
صار البعض يمنح كل ما حوله اهتمامًا مبالغًا فيه ؛ إلا نفسه يُجامل كثيرًا، ويُرهق مشاعره في التفكير بمن حوله، ويحمل هموم الجميع؛ لكنه حين يتعلق الأمر بقلبه وراحته النفسية، يؤجّل نفسه دائمًا إلى وقتٍ قد لا يأتي أبدًا.
صرنا نؤجّل راحتنا دائمًا بحجة الظروف والانشغال؛ فنقول: «حين تنتهي الأزمة سأرتاح»، و«بعد هذا العمل سأهتم بنفسي» ، و«عندما تستقر الأمور سأعيش كما أريد» لكن الحقيقة المؤلمة؛ أن الحياة لا تتوقف لتمنح أحدًا فرصةً كاملةً للهدوء، ومن لا ينتبه لنفسه اليوم؛ قد يستيقظ يومًا ليكتشف أنه استنزف عمره كلّه، وهو يؤجّل ذاته..!
والأخطر من الانشغال نفسه؛ أن بعض الناس أصبحوا يخافون من الجلوس مع أنفسهم؛ لأن الصمت، أحيانًا، يكشف حجم التعب الذي نهرب منه بالعمل المستمر، والانشغال الدائم، والتعلّق المفرط بالهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي. وكأن الإنسان الحديث يخشى أن يسمع صوته الداخلي إذا هدأت الدنيا من حوله...!
لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ يُكافئ الإنتاجية أكثر مما يهتم بالسلام النفسي؛ زمنٍ يُصفّق لمن يعمل بلا توقف، حتى لو كان منهكًا من الداخل..! لذلك؛ امتلأت الحياة بأشخاصٍ يبدون ناجحين أمام الجميع، لكنهم، في الحقيقة، مرهقون، فاقدو الشغف، ويبحثون عن لحظةِ راحةٍ حقيقيةٍ لا يجدونها.
إن الاهتمام بالنفس لم يعد رفاهيةً كما يظن البعض؛ بل أصبح ضرورة. أن يمنح الإنسان نفسه وقتًا للهدوء، وأن يراجع مشاعره، وأن يقترب من الله، وأن يبتعد قليلًا عن الضجيج، وأن يعيش بعض اللحظات بلا ضغطٍ ولا تصنّع كل ذلك ليس ضعفًا؛ بل نوعٌ من النجاة.
فالإنسان الذي يخسر نفسه أثناء انشغاله بالحياة؛ قد يملك كل شيءٍ في النهاية إلا ذاته.


0 تعليقات