✍️ : فاطمة فتحي غوينم
في خضم المتغيرات السريعة التي يشهدها المجتمع، يبرز تساؤل مهم يفرض نفسه بقوة: أين دور الأم من تربية أبنائها؟ وأين ذهبت تلك الصورة الراسخة التي خلدها الشاعر في قوله: «الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق»؟
قديماً، كانت الأم هي الركيزة الأساسية في بناء الأسرة،
وصاحبة الدور الأكبر في غرس القيم والمبادئ والأخلاق في نفوس أبنائها، بينما كان الأب ينشغل بالسعي والعمل لتوفير متطلبات الحياة. كانت الأم تتابع، وتراقب، وتوجه، وتزرع الانضباط والاحترام وحب العلم، فكانت البيوت مدارس حقيقية تخرج أجيالًا قادرة على تحمل المسؤولية.
أما اليوم، فقد تبدلت الأدوار واختلفت الأولويات لدى البعض، وأصبحنا نرى تراجعًا ملحوظًا في دور الأم التربوي، في ظل سيطرة الهاتف المحمول ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى بات “تكبير الدماغ” والبحث عن الراحة السريعة هو الحل الأسهل للتعامل مع الأبناء، بدلاً من الحوار والمتابعة والتقويم.
لم يعد الخطر في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في غياب التوازن وسوء الاستخدام، حين تحولت الهواتف والإنترنت إلى بديل عن دور الأم، ومصدر أساسي لتشكيل وعي الطفل وقيمه وسلوكياته، دون رقابة أو توجيه. فكبر الأبناء وهم يتلقون تربيتهم من شاشات لا تعرف الرحمة ولا تميز بين الصواب والخطأ.
إن تراجع الدور التربوي للأم لا يهدد الأسرة وحدها، بل ينعكس على المجتمع بأكمله، لأن الأم هي النواة الأولى في صناعة الإنسان. فإذا صلحت، صلح المجتمع، وإذا غاب دورها الحقيقي، ضاعت أجيال بين الإهمال والانشغال الزائف.
وتبقى الرسالة واضحة: استعادة دور الأم ليست رفاهية، بل ضرورة حتمية، تبدأ بالوعي بأهمية التربية، والعودة إلى القيم الأصيلة، واستخدام التكنولوجيا كوسيلة مساعدة لا كبديل عن المسؤولية. فالأم ستظل المدرسة الأولى، ومتى أُعدت كما يجب، أُعد معها مستقبل وطن بأكمله.


0 تعليقات