بقلم / د . فاطمة فتحي غوينم
الرعاية المركزة... اسم يعرفه الجميع، ولكن لا يعرف حقيقة معناه إلا من أصابه المرض، أو عاش تجربة البقاء داخل تلك الغرفة المغلقة.
هي أربعة جدران، لا نافذة فيها يدخل منها ضوء الشمس، لكنها تمتلئ بالأجهزة الطبية التي لا يتوقف صوتها.
داخلها مرضى تختلف أعمارهم وحالاتهم؛ فمنهم الطفل، ومنهم الشاب، ومنهم الشيخ، لكنهم جميعا يجتمعون على أمل واحد... رحمة الله والشفاء.
تتردد الآهات ليلًا ونهارا، ولا تسمع إلا دعوات صادقة تخرج من القلوب قبل الألسنة: "يا رب... اشفني، يا رب... هون علي، يا رب... ارحمني."
إنه مكان يشبه السجن؛ فلا تسمع فيه أذانآ، ولا ترى شروق الشمس أو غروبها، ولا تعرف متى بدأ النهار أو متى أقبل الليل. كل ما تعرفه هو أن الوقت يمضي ببطء شديد، وأن كل دقيقة تحمل معها أملًا جديدا أو خبرًا قد يغير حياة أسرة بأكملها.
إنه ضغط نفسي لا يستطيع أحد أن يصفه. ترى من حولك يتألمون، وتشاهد الموت يمر أمام عينيك في كل لحظة. قد يكون المريض الذي بجوارك يتنفس منذ دقائق، ثم فجأة تفيض روحه إلى بارئها، فتدرك أن الحياة لا يملكها إلا الله.
مهما حاولت أن أصف هذا المكان، فلن أستطيع أن أنقل حقيقة ما يشعر به من عاش هذه التجربة، ولو ليوم واحد.
فالرعاية المركزة ليست مجرد قسم في مستشفى، بل اختبار للصبر، والإيمان، واليقين، والرضا بقضاء الله وقدره.
يدخلها الإنسان وهو لا يعلم: هل سيخرج منها ليعود إلى أهله وحياته مرة أخرى، أم ستكون آخر محطة له في هذه الدنيا؟
وهنا يدرك الإنسان أن الصحة نعمة عظيمة، وأن الدنيا لا تستحق الخصام ولا الكراهية، وأن أجمل ما يملكه المرء قلب سليم، وعمل صالح، ولسان يذكر الله.
اللهم يا شافي، يا كافي، يا رحمن، اشفِ كل مريض يتألم ولا يعلم بحاله إلا أنت، وخفف عن كل من أنهكه المرض، وألبسه ثوب الصحة والعافية، وارحم من انتهت رحلته في هذه الدنيا، واجعل قبورهم روضة من رياض الجنة. اللهم لا ترنا في أحبتنا مكروها، واجعل أيامنا عامرة بطاعتك، وحسن الخاتمة، إنك على كل شيء قدير.


0 تعليقات