دكتور هانى فاضل يكتب : إدارة المواهب في بيئة العمل: حين يصبح الإنسان هو الميزة التي لا تُشترى


في إحدى الشركات العالمية، وقف المدير التنفيذي أمام فريقه بعد سنوات من النمو السريع، وقال بنبرة امتزج فيها القلق بالحيرة: "لدينا رأس مال قوي، وتقنيات متطورة، وحصة سوقية مستقرة، ومع ذلك أشعر أن شيئاً ما ينقصنا".

 ابتسم أحد المستشارين وسأله سؤالاً بسيطاً بدا أكثر عمقاً مما يحتمل الموقف: "كم موهبة لديكم؟". لم يكن السؤال عن عدد الموظفين أو حجم القوى العاملة، بل عن عدد الأشخاص القادرين على التفكير خارج المألوف، والابتكار في لحظات الأزمات، وصناعة الفارق عندما تتشابه الإمكانات. عندها أدرك المدير أن المؤسسات لا تدخل المستقبل بأصولها المادية وحدها، وإنما تدخله بالعقول التي تؤمن بها وتستثمر فيها.
لقد تغيرت فلسفة النجاح في العصر الحديث. ففي الماضي كانت المؤسسات تتباهى بمصانعها الضخمة ومبانيها الشاهقة، أما اليوم فإن أكثر ما تفتخر به هو قدرتها على جذب الموهوبين والاحتفاظ بهم. فالآلات يمكن شراؤها، والتقنيات يمكن تقليدها، لكن الموهبة الإنسانية تظل مورداً نادراً يصعب استنساخه. ولهذا لم تعد إدارة المواهب وظيفة تقليدية ضمن إدارة الموارد البشرية، بل أصبحت فلسفة تنظر إلى الإنسان باعتباره أصلاً استراتيجياً، وإلى قدراته باعتبارها استثماراً طويل الأجل.

ولعل اليابانيين كانوا من أوائل من أدركوا هذه الحقيقة. فعندما تأسست شركة تويوتا لم تبنِ نجاحها على خطوط الإنتاج وحدها، بل على إيمانها بأن كل عامل يحمل داخله فكرة يمكن أن تغير طريقة العمل، ومن خلال فلسفة "الكايزن" أصبح التحسين المستمر مسؤولية الجميع، لا الإدارة وحدها. كان العامل الذي يقف أمام آلة الإنتاج يشعر أن رأيه مسموع، وأن اقتراحه قد يصبح جزءاً من مستقبل الشركة. وهكذا لم تعد الموهبة شيئاً تبحث عنه المؤسسة في الخارج، بل شيئاً تصنعه في الداخل من خلال ثقافة تؤمن بالإنسان وتمنحه فرصة للنمو.

وفي مكان آخر من العالم، كان كونوسوكي ماتسوشيتا، مؤسس باناسونيك، يرى أن المؤسسة التي تهتم بمنتجاتها أكثر من اهتمامها بالعاملين فيها، إنما تبني نجاحاً مؤقتاً. ولذلك استثمر لعقود طويلة في التعليم والتدريب، مؤمناً بأن الموظف الموهوب ليس من يحقق نتائج سريعة فقط، بل من يمتلك القدرة على التعلم والتطور باستمرار. كان يرى أن الإنسان ليس مورداً يُستهلك، بل طاقة تتجدد كلما وجدت من يؤمن بها.

أما في أوروبا، فقد اتخذت إدارة المواهب بُعداً آخر يرتبط بالابتكار والتنوع. فقد أدركت شركة سيمنس الألمانية أن المستقبل لا يُصنع بالعقول المتشابهة، بل بالعقول القادرة على رؤية العالم من زوايا مختلفة. ولذلك استثمرت في إعداد القادة الشباب، ومنحت موظفيها فرصاً للعمل في ثقافات متنوعة، لتخلق جيلاً من الكفاءات يمتلك المرونة والقدرة على التكيف مع عالم سريع التغير. وفي السياق ذاته، آمنت شركة SAP بأن الاختلاف ليس تحدياً يجب تجاوزه، بل مصدراً للقوة يجب استثماره، ففتحت أبوابها لمواهب من خلفيات متنوعة، بما في ذلك ذوي الاحتياجات الخاصة، انطلاقاً من قناعة بأن الابتكار يولد عندما تتعدد طرق التفكير.

إن التأمل في هذه التجارب يقودنا إلى سؤال فلسفي أعمق: هل تصنع المؤسسات المواهب، أم أن المواهب هي التي تصنع المؤسسات؟ ربما تكون الإجابة أن العلاقة بينهما علاقة تكامل؛ فالموهبة تحتاج إلى بيئة تثق بها، والمؤسسة تحتاج إلى عقول تمنحها القدرة على التجدد. فكم من موهبة خبت لأنها لم تجد من يحتضنها، وكم من مؤسسة فقدت مكانتها لأنها لم تدرك أن أثمن أصولها ليست ما تمتلكه من أموال، بل ما تمتلكه من بشر.

لقد أصبح الموظف الموهوب اليوم يبحث عن أكثر من راتب أو منصب، فهو يبحث عن معنى، وعن بيئة تمنحه فرصة للتعلم، وعن قيادة تؤمن بإمكاناته، وعن ثقافة تسمح له بأن يكون أفضل نسخة من نفسه. ولذلك فإن السؤال الذي يواجه المؤسسات لم يعد: كيف نجذب المواهب؟ بل أصبح: كيف نبني بيئة تجعل المواهب ترغب في البقاء والنمو والإبداع؟
وفي النهاية، فإن المؤسسات العظيمة لا تُقاس بعدد موظفيها، ولا بحجم أصولها، بل بقدرتها على اكتشاف الطاقات البشرية وإطلاقها. فالمباني قد تُشيَّد في سنوات، والتقنيات قد تُشترى في لحظات، أما الموهبة فهي رحلة طويلة من الاكتشاف والرعاية والإيمان. وإذا أحسنت المؤسسة إدارة هذه الرحلة، فإنها لا تصنع موظفين ناجحين فحسب، بل تصنع مستقبلها بأيدي أبنائها، لأن الإنسان الموهوب حين يجد البيئة التي تحتضنه لا يغير مساره المهني فقط، بل قد يغير مصير المؤسسة بأكملها.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا