روشتة الدكتور إبليس

بلغني أيها القارئ الحكيم، أنه في ليلة مظلمة لا قمر فيها ولا نجوم، أن أباطرة الدواء في أصقاع الأرض ضاقت صدورهم، واهتزت عروش أرباحهم، وكادت خزائنهم أن تصدر أنينًا لم تعهده من قبل. فقد شفي مرضى كانوا بالنسبة لتجارتهم كنوزًا سائرة، وسقطت أمراض كانت تدر عليهم ذهبًا، وأصبحت تقارير المبيعات شاحبة كوجه تاجرٍ خسر سوقه.

فتشاوروا سرًا، وأغلقوا الأبواب، وأطفأوا الأنوار، واستدعوا حكماء المال وسحرة الاقتصاد، حتى قال قائلهم: لن نجد أعلم من كبير المحتالين، وأمير الدهاء والماكرين، فلنستحضر إبليس، فهو أدرى بأسواق البشر من أطبائنا جميعًا، وأفكاره الشيطانية لن تعلو عليها أفكار بشرية.

فنصبت الدائرة، وتليت تعاويذ الطمع، واشتعلت نار سوداء في وسط القاعة، ومن دخانها خرج إبليس، أنيقًا كما عهدته العصور، بعينين تعرفان سر الإنسان أكثر مما يعرفه هو عن نفسه.
قال لهم وهو يبتسم: سمعت أنكم تشكون من الشفاء!
فانحنوا له وقالوا: يا سيد الحيلة، لقد اكتشفت أدوية أوقفت أمراضًا كانت أعمدة أرباحنا، والناس بدأت تتعافى، ونحن نخشى كساد تجارتنا.
فضحك ضحكة زلزلت جدران القاعة وقال: يا سادة.. ما أجهلكم بطبائع الخلق! أتظنون أن المرض يزرع في الجسد فقط؟ إن أعظم الأمراض تزرع في القلوب.

وأشار بيده، فظهرت أمامهم مرآة عظيمة، رأوا فيها مدينة كانت تفيض بالأشجار، تظلل شوارعها وتشرح صدور أهلها، ثم رأوها وقد تحولت إلى غابة من الإسمنت، اختفت حدائقها، واقتلعت أشجارها وزهورها، واشتعلت شمسها فوق رؤوس أهلها.

قال إبليس: حين يحرم الناس من الخضرة.. يضيق صدرهم، وحين تختنق المدن.. تختنق الأرواح.
ومن ضاق صدره احتاج دواءً.. ولو لم يعرف سبب ضيقه.
لوح إبليس بيده مرة أخرى، فظهرت أرقام تصعد، وأسعار تتضاعف، وأبواب تغلق فجأة، وقرارات جهنمية تهبط على الناس هبوط الصاعقة، رأوا وجوهًا تحسب ما في الجيوب قبل أن تحسب أحلامها، ورجالًا ونساء يستيقظون كل صباح على قلقٍ جديد.

قال إبليس في هدوء الخبير: القصة بسيطة، اجعلوا الرواتب ثابتة، بينما كل الأسعار تتصاعد وتعلو.. وقولوا إن السوق عرض وطلب، وحولوا سكنهم قلقًا، والظل نادرًا، والغد غامضًا، ثم انتظروا.

سأله أحدهم: وماذا سنبيع؟
قال وهو يعدّ على أصابعه: مهدئات لمن أرهقهم التفكير، وعلاج قولون عصبي لمن أكلهم القلق، وأدوية ضغط وسكر لمن يعيشون تحت ضغط الخوف، وأقراص منومة لمن سرق الأرق نومهم وراحتهم، وبيعوا مضادات اكتئاب لمن فقدوا الشغف، وعقاقير جلدية لشعرٍ تساقط من التوتر، وأدوية للقلب الذي لم يعد يحتمل المزيد.

ثم اقترب منهم وهمس: لا تجعلوا المرض وباءً قاتلًا.. اجعلوه حياة يومية، فالوباء يخيف السوق، أما القلق المزمن فيصنع إمبراطوريات المنتفعين.
أشاح إبليس بيده فانقشعت صفحة المرآة عن مشاهد لقرارات تتخذ باسم التطوير، فتهدم بيوت وتقلع جذور، وتضيق مساحات، ويطلب من الناس أن يبتسموا وهم يبتلعون الغصة، رأوا عجائز يرتجف قلبهم خوفًا من فقد مأوى، وشبابًا أنهكهم السعي بين الأسعار، وأمهاتٍ يحسبن الطعام بالجرام.

ثم قال إبليس: بقي مشهدٌ أخير، فتح مرآة المدارس والجامعات، ظهرت مدرجات الثانوية العامة، وأوراق إجابة مبللة بعرق السهر، وعيون أمهات معلّقة بأرقامٍ قد تغيّر مصير بيت، متفوقون فوق التسعين بالمئة، قلوبهم معلّقة بلافتة واحدة: طب بشري. سنوات من الدروس ومصاريف تُقتطع من لحم البيوت، وإيمانٌ بسيط أن الاجتهاد يكفي.

لكن إبليس حرّك المرآة قليلًا، فظهرت لافتات التنسيق بحدودٍ أعلى من أحلامهم، قيل لهم: تسعون بالمئة لا تكفي، ثم فتح إبليس زاوية أخرى من المرآة، فبانت أبواب الكليات نفسها مفتوحة لوافدين ولاجئين بسبعين بالمئة، يدخلون حيث أُغلق الباب في وجه أبناء البلد، قال إبليس ببرود: لا تكرهوا الضيف.. فقط دعوا صاحب البيت يشعر أن الميزان مائل.

رأوا شابًا مصريًا يحمل شهادة تفوقه كوسامٍ بلا قيمة، وأغلق إبليس المرآة فجأة، ثم فتحها على مكتب التنسيق وأوراقه تحول إلى كليةٍ نظرية لم يخترها، واسمه يضاف مبكرًا إلى طابور العاطلين، انطفأت اللمعة في عينيه، قال إبليس: هنا تصنع أمراض بلا ميكروسكوب، إحباط يتحول لاكتئاب، اكتئاب يخلخل النوم، يرفع الضغط، يوقظ السكر، ويستدعي الدواء، وأغلق المرآة ببطء: يكفي أن يشعر المتفوق أنه زائد عن الحاجة.
أغلق إبليس المرآة وقال: حين تُكسر الثقة في العدل، تتكفل الأجساد بالباقي، وإنهاك الشعوب فن لا يحتاج لحرب، ولا يحتاج لجرثومة، فيكفي أن يشعر الإنسان أن حياته تدار من فوق رأسه دون أن يُستشار، وأن جهده لا يكفي، وأن صوته لا يُسمع، حينها.. سيتكفل جسده بالباقي.

ثم استدار نحوهم وأضاف بابتسامة المنتصر: تريدون أرباحًا لا تنتهي؟ اصنعوا بيئة لا يهدأ فيها الإنسان، فالإنسان إذا هدأ تعافى، وإذا تعافى.. خسرتم.

وهنا.. أعلن إبليس انتهاء الاجتماع، تاركًا أباطرة الدواء في العالم وقد استوعبوا روشتة إبليس، وقد اتفقوا فيما بينهم أن الحكومات هي أفضل من يطبق هذه الروشتة على شعوبهم، فليست كل الأمراض تأتي من ميكروب، فبعضها يولد من قلق طويل، ومن خوفٍ لا ينتهي، ومن حياةٍ تدار كأن الإنسان فيها رقم لا روح.. وحينها يصبح الدواء عادة يومية، وهذا ما تفعله بعض الحكومات في شعوبها بجدارة.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا