✍️ : د. ولاء جاد الكريم
تغريدة الرئيس بشأن الانتخابات البرلمانية كانت كاشفة ومحذرة ومنبهة، ليس فقط لما اعترى بعض دوائر المرحلة الأولى من عوار يؤدي لوصول من لا يستحق لمقاعد مجلس النواب، ولكن أيضا لضرورات مراجعة الترتيبات الإدارية واللوجستية للهيئة الوطنية للانتخابات، تلك الترتيبات التي لا غنى عنها لضمان قيام الهيئة بدورها الدستوري في إدارة عملية انتخابية عادلة ونزيهة وشفافة.
بالقطع لا مجال للحديث عن نزاهة وتجرد الهيئة الموقرة في ذاتها، فهي تتشكل من قامات قضائية لا خلاف على شخوصهم، وهم يقينا موضع تقدير واحترام وإجلال مطلق من كافة أطراف العملية الانتخابية، وهو ما يجعلنا نثق في قدرتها على التعاطي مع الإشكالية القائمة بنزاهة وشفافية وحياد يلبي جوهر مطلب السيد الرئيس، ويستجيب لمناشدة سيادته ويطمئن المصريين على مستقبل برلمانهم..
ولكن ما يجب التفكير فيه والسعي لوضع حلول ناجزة بشأنه هو مدى كفاءة الترتيبات الإدارية والأدوات واللوجيستيات التي تعين أعضاء الهيئة القضائية الموقرة على إدارة العمليات الانتخابية ينظم عمل الهيئة القانون 198 لسنة 2017، وهو القانون الذي يوفر إطارا لترجمة النصوص الدستورية المتعلقة بأدوار وولاية الهيئة..
وقد قامت الهيئة في ظل هذا القانون بإدارة ستة عمليات انتخابية واستفتاءات دستورية منذ إنشائها شملت عمليتين لانتخابات رئيس الجمهورية وعمليتين لانتخاب مجلس الشيوخ، بالإضافة إلى انتخابات برلمانية واستفتاء على التعديلات الدستورية عام 2019، فضلا عن إدارة انتخابات مجلس النواب التي نحن بصددها.
ومن المنطقي أن يكون هناك نوع من المراجعة والتقييم لمدى ملاءمة هذا الإطار القانوني، وما إذا كان هناك حاجة لمبادرة مجلس إدارة الهيئة الموقرة لاقتراح ما يراه من تعديلات تساهم في تعزيز كفاءة الترتيبات الإدارية واللوجستية للهيئة، أو ما إذا كان هناك حاجة لتفعيل نصوص القانون بطريقة تتناسب مع التطورات المتلاحقة في نظم الإدارة والتحول الرقمي وطبيعة المنافسة الانتخابية ووسائل الدعاية وغيرها من الجوانب وثيقة الصلة بإدارة الانتخابات والاستفتاءات العامة.
ولعل أهم الدروس التي قد ترى الهيئة الموقرة استخلاصها من خبرة السنوات الماضية ما يتعلق بمنظومة العمل خلال الفترات البينية الفاصلة ما بين انتخابات وأخرى، وكيف يمكن استغلال هذه الفترات في تنفيذ تدخلات من شأنها توسيع قاعدة الكوادر القضائية وغير القضائية المؤهلة للإشراف على والمشاركة في إدارة اللجان العامة والفرعية، وأعمال الرصد والمتابعة والتحقق من تطبيق المعايير القانونية في إجراءات الترشح والدعاية الانتخابية والتصويت والفرز والحصر..
وهو ما يتطلب تنظيم برامج فعالة لانتقاء هذه الكوادر وتنفيذ تدخلات تدريبية متعمقة وإعداد قاعدة بيانات بالكوادر المتميزة للاستعانة بها في العملية الانتخابية. أيضا، فإن الهيئة تحتاج بشدة لدراسة سبل الاستفادة من التطبيقات التكنولوجية المتقدمة في أعمال تلقي الشكاوى ومتابعة أنشطة الدعاية والحملات الانتخابية..
والأهم في عمليات الحصر العددي لنتائج التصويت في اللجان الفرعية والتجميع في اللجان العامة، بما يضمن تقليل تدخلات العنصر البشري لحدها الأدنى، وهو ما من شأنه زيادة كفاءة عمليات الحصر والتجميع ويعزز من ثقة أطراف العملية الانتخابية في مخرجاتها.
من الجوانب الأخرى التي تستحق اهتمام الهيئة في الفترات البينية الفاصلة بين العمليات الانتخابية ما يتعلق باستكشاف وتحديد الأماكن الملائمة لتكون مقرات انتخابية، ووضع وتنفيذ خطة لتأهيل عدد أكبر من الأماكن بحيث تستوفي المعايير التي تجعلها صالحة لاستضافة عمليات التصويت..
وتأتي أهمية هذا الأمر من الشكوى التي تم رصدها في عدد غير قليل من الدوائر من نقص عدد المقار الانتخابية واللجان الفرعية مقارنة بأعداد الناخبين المقيدين في هذه الدوائر، وهو ما يؤدي إلى أحد أمرين كلاهما سلبي، إما العزوف عن التصويت اتقاءا للمزاحمة، أو إعطاء الفرصة لحدوث احتكاكات بين انصار المرشحين وبعضهم البعض.
كما يجب أن نشير هنا إلي علاقة الهيئة الوطنية للانتخابات بمنظمات المجتمع المدني، فرغم انفتاح الهيئة على هذه المنظمات في مواسم الانتخابات وحصولها على التصاريح اللازمة لمتابعة العمليات الانتخابية، إلا إننا نقترح ضرورة وجود برامج عمل تتبناها وتنفذها الهيئة في الفترات البينية تستهدف تعزيز التشاور مع هذه المنظمات، أو مساعدتها على تحسين أداءها في متابعة العمليات الانتخابية وفي العمل معها بهدف توعية جموع المواطنين بممارسة الحقوق السياسية والانتخابية.


0 تعليقات