في زمن يتشابك فيه الصدق مع الزيف، ويختلط فيه الصوت العالي بالحقيقة الخافتة، يظن البعض أن الأقنعة قادرة على حماية أصحابها إلى الأبد. يتخيلون أن دموعهم المصطنعة، وكلماتهم المرتبة، وحكاياتهم التي تروى من طرف واحد، كافية لبناء صورة ملاك لا يخطئ. لكن الحقيقة لا تهزم… وإن تأخرت، فهي لا تغيب.
هناك من يتقن التمثيل حد العبقرية؛ يظهرون بهيئة الضعيف المظلوم، بينما كانوا هم أول من جرح، وأول من شكل خلف الكواليس مشاهد الأذى. يعرضون روايتهم أمام الآخرين بمهارة، يلمعون أنفسهم حتى يصدقوا الكذبة التي صنعوها. يختبئون خلف قناع البراءة، ويتصرفون وكأنهم أنقى الخلق.
ومع ذلك، يبقى القناع هشا مهما بدا متماسكا. فالزمن لا يحفظ سرا طويلا، والقلوب تعرف جيدا مَن يصدقها ومن يخدعها. ومع أول اختبار حقيقي، يسقط القناع دفعة واحدة، فتظهر ملامح الحقيقة كاملة، بلا رتوش ولا روايات مبتورة.
العدل الإلهي لا تغفله التفاصيل. فالله لا يترك ظلما بلا حساب، ولا يبقي الكذب مرفوع الرأس دون أن يكسره بالحق.
قد يتأخر كشف المستور، لكنه لا يتوقف، ولا يتراجع، ولا يضيع. يأتي في لحظته المناسبة، في توقيته الدقيق، بالسكون الذي يبهت الكاذب، وبالطمأنينة التي تعيد للقلوب حقها.
وفي النهاية، لا يبقى إلا الجوهر الحقيقي .
فالبراءة الحقيقية لا تحتاج دموعا، والصدق لا يحتاج روايات ناقصة، والظلم مهما تزيّن سينهار حين يسقط القناع.
فالحق خالد والزيف لا يدوم والظلم لا يمر.


0 تعليقات