متى تُنصت الإدارة السياسية إلى صوت الشعب؟

✍️ : د. كريم ابوعيش

في لحظات معيّنة من عمر الأوطان، يصبح الصمت الشعبي أبلغ من الهتاف، ويغدو العزوف عن صناديق الاقتراع رسالة لا يمكن تجاهلها. ومع انتهاء المرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب والإعلان عن الفائزين ومن سيدخلون جولة الإعادة، تتزايد في الشارع المصري موجة واضحة من الرفض والتحفّظ تجاه ما آلت إليه العملية السياسية. أما المرحلة الثانية فلم يتبقَّ عليها سوى أيام قليلة، بينما بقي المزاج العام على حاله، بل وازداد رفضًا وتشكيكًا.

فالناس لا يرفضون الانتخابات ذاتها، بل يرفضون حالة الجمود السياسي وضيق الخيارات، وقوائم لا يشعرون أنها تمثلهم. القائمة الوحيدة المطروحة لم تحمل أي ملامح للتغيير، إذ جمعت أحزابًا متناقضة فكريًا وسياسيًا، من أحزاب يمينية محافظة مثل مستقبل وطن وحماة الوطن والشعب الجمهوري والجبهة الوطنية، مرورًا بأحزاب ليبرالية مثل الوفد والمصري الديمقراطي الاجتماعي والجبهة الديمقراطية والعدل، إضافة إلى التجمع اليساري، وأحزاب وسطى وشبابية مثل إرادة جيل، الإصلاح والتنمية، المؤتمر، الحرية المصري، وتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، لكنها أعادت تدوير نفس اللعبة السياسية القديمة بوجوه مختلفة، وكأن تغيير الملامح يكفي لإخفاء ثبات النهج واستمرار ذات الأسلوب.

هذا الاختلاف الكبير يطرح سؤالًا ملحًّا: هل سيكون ولاء البرلمان للشعب، أم للجهات التي جمعت هذه الأحزاب رغم اختلافاتها؟

وهنا يطرح الشارع المصري أسئلة شديدة الوضوح والشرعية: هل يُعقل أن يكون برلمان كامل بلا أحزاب معارضة حقيقية؟ وكيف يمكن لحياة سياسية أن تتطور بينما يغيب عنها الصوت المختلف والرأي الذي يوازن ويحاور ويحاسب؟ وأكثر من ذلك، يعبر الناس عن رفضهم لبعض الوجوه المرشحة في المقاعد الفردية، خاصة تحت شعارات بعض الأحزاب بعينها، معتبرين أنها لا تمثلهم أو تمثل مصالح محددة بعيدة عن مطالب الشعب.

كان حلم المصريين دائمًا أن يكون للبرلمان تمثيل حقيقي يعكس المجتمع ويخرج قيادات جديدة، لكن السيطرة الحزبية على الترشيحات أعادت تدوير نفس الوجوه، وأغلق الباب أمام الكفاءات الجديدة.

وسط هذا المشهد، يظل السؤال الأكبر: متى تستمع الإدارة السياسية بصدق إلى نبض الشعب؟ متى يُفتح الباب أمام وجوه جديدة اختارها المواطنون؟ إن تجاهل المزاج العام مخاطرة حقيقية، والصمت الشعبي ليس فراغًا، بل رسالة. فالدولة القوية لا تُبنى فقط بإدارة محكمة، بل بثقة الناس في أن أصواتهم مسموعة وأن رغبتهم في التغيير تُؤخذ بمحمل الجد.

وعندما تختار الإدارة السياسية أن تستمع بصدق إلى نبض الشارع، عندها فقط يمكن أن يكون هناك مشاركة حقيقية ووجوه جديدة، وبرلمان يمثّل الناس… لا يعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس الأفكار.

فالاستماع الآن ليس خيارًا… بل ضرورة وطنية.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا