مصر التي تعلّم الدنيا كيف يُتلى القرآن

✍️ : د. كريم ابوعيش

بصوت يحمل عبق التاريخ وروح السماء… وبمقامات لا يعرف سرّ جمالها إلا القلب… تقف مصر، كما كانت دائمًا، في مقدمة الأمم التي منحت للقرآن صوتًا يليق بقدسيته. هنا، في أرض الكنانة، لا تُقرأ الآيات فقط… بل تُعاش، وتُحس، وتصبح جزءًا من الذاكرة والروح والوجدان.

مصر… ليست مجرد أرض على الخريطة، بل قلب ينبض بالحضارة والروح. من أهراماتها الشامخة التي تحدّت الزمن، إلى نيلها الذي يروي الأرض والإنسان معًا، ومن شوارعها القديمة المليئة بالحكايات إلى ميادينها التي تحتفل بالحياة… تبقى مصر دائمًا مرآة للعظمة التي لا تعرف الحدود.

ولم تكن مصر اليوم مجرد شاهد على حضارتها، بل كانت منذ القدم موطنًا لقرّاء القرآن الكريم العظام. من الشيخ محمد رفعت، صاحب الصوت العذب، إلى مصطفى إسماعيل، صاحب الأداء الخاشع، مرورًا بـالشيخ محمود خليل الحصري، حامل الدقة والتجويد، والشيخ شعبان الصياد، قارئ الإحساس العميق، وصولًا إلى محمد صديق المنشاوي، شاعر الروحانية، وعبدالباسط عبدالصمد، صاحب صوت الإلهام… وغيرهم من الكثير من القرّاء الذين تركوا بصمة خالدة في تاريخ التلاوة المصرية والعالمية، وجعلوا مصر منارة للإيمان والفن والجمال.

ولقد كانت هناك مقولة مشهورة قديمًا تقول:
«القرآن الكريم نزل في السعودية… ولكن يُتلى في مصر».
مقولة لم تولد من فراغ، بل من جمال أصوات شيوخ مصر الذين جعلوا للتلاوة روحًا، وللآيات حياة، وللخشوع معنى يلامس أعماق القلوب.

ومع ظهور برنامج دولة التلاوة، عادت الروح إلى البيوت المصرية. عاد المجلس العائلي حول الشاشة، يجتمع الجميع كما كانوا يجتمعون أمام الراديو قديمًا في حضرة الشيخ رفعت. عادت الأمهات يدعين، والآباء يتأملون، والأطفال يصمتون بخشوع أمام أصوات تشبه نور الفجر. أصبح البرنامج موعدًا مصريًا خالصًا، يعيد للناس دفء المجالس وطمأنينة السكينة، ويذكرهم بأن الجمال الحقيقي لا يزول مهما تغيّر الزمن.

وفي هذا الإرث العظيم، يظهر برنامج دولة التلاوة كجسر ممتد بين الماضي العريق والحاضر المشرف، يمنح الشباب المصري فرصة لصقل أصواتهم وقلوبهم معًا. هنا لا يُحكَم على الصوت وحده، بل على الروح التي تسكنه، وعلى الصدق الذي يشع من كل حرف.

مصر هنا ليست مجرد مكان، بل تجربة حية تُظهر أن العظمة ليست في المباني أو الأحداث فقط، بل في الإنسان المصري الذي يحمل بين قلبه وعقله وروحه حضارة أمة كاملة. بين تاريخها العريق، وقرّائها العظام، وصوت أبنائها في دولة التلاوة، تظهر مصر كما يجب أن تُرى: بلد الروح والقيم والجمال والتاريخ، بلد يُلهم العالم ويجعل كل من ينتمي إليه يشعر بالفخر.

مصر… بين الأصالة والروحانية، بين الماضي والحاضر، تبقى عظيمة، وكأن الزمن كله يقف احترامًا لها، وأكثر إشراقًا كما يشهد لها اليوم.

إرسال تعليق

0 تعليقات

/* حل مشكلة الغلاف على الهاتف */ .header-ads, .Header, .header-cover, .hero-section, .top-header, .header-wrapper { max-width: 100% !important; width: 100% !important; height: auto !important; overflow: hidden !important; } .header-ads img, .header-cover img, .hero-section img, .top-header img, .header-wrapper img { width: 100% !important; height: auto !important; object-fit: cover !important; }
close
ضع اعلانك هنا