ونحيا اليوم مع السيرة الذاتية لرجل الأعمال العصامى المحترم الذى كان مثال لرجل الأعمال الإنسان…. الحاج محمود العربي، مؤسس امبراطورية العربي، والذى بدأ حياته من قرية أبو رقبة في مركز أشمون بالمنوفية. الست الوالدة اتجوزت ابن عمها عبد القوي اللي الناس كانت بتقوله يا جويدة، وخلفت منه 3 عيال: أحمد وعسرانة وعلي. وقبل ما علي يجي مات الأب، فبيقرر ابن عمه إبراهيم إنه يتجوز مراته علشان يراعي ولادها، وخلف منها محمد ومحمود وعبد الجيد. محمود دا كل الحكاية.. محمود إبراهيم العربي.
اتولد محمود العربي سنة 1932 في يوم جمعة ويوم وقفة عرفات، ودخل الكُتاب وهو 3 سنين ونص. حفظ الطفل القرآن الكريم في كتّاب الشيخ محمد عبد المنعم، لكن مكملش مدارس بسبب الظروف الاقتصادية وخرج من التعليم من 4 ابتدائي. محمود اللي كان أخ من ضمن 6 إخوات كان مصدر فخر العيلة بل والقرية كلها، لأنه حفظ القرآن ولأنه كان مشهور في القرية إنه بيعمل كل حاجة بإتقان، لدرجة إن جارتهم قالت لأمه: “ابنك دا هيبقى راجل غني والخير هيجري بين إيديه زي الشلال”.
لما وصل محمود ست سنين، قال لأخوه الكبير علي: “أنا حوّشت 30 قرش.. وعايز أشغلهم”. حاجة غريبة.. عيل عنده 6 سنين بيفكر في التجارة! قال له: عايز تجيبلي بيهم بلالين وبمب وحرب إيطاليا واقعد بيهم قدام المصطبة في العيد. وفعلاً أخوه جاب له اللعب، وكسب وباعهم بـ40 قرش، يعني حقق مكسب تلت رأس المال. إحنا بنتكلم عن سنة 1938 وعن طفل عنده 6 سنين!
من اللحظة دي حب محمود مهنة التجارة.. يجيب سلعة جملة ويبيعها بالتجزئة ويكسب ربح صافي وحلال. يحوش الأربعين قرش وعليهم مصروفه، ويقرر يتاجر بيهم في العيد الكبير بعد 3 شهور من العيد الصغير. والمبلغ يكبر.. ويفضل على الحال دا 4 سنين. كل سنة يعمل كده ورأس المال يكبر، وكان يعمل دا انطلاقًا من حديث الرسول: “تسعة أعشار الرزق في التجارة”.
في فترة كورونا انتشر اسم محمود العربي بسبب رفضه إنه يمشي أي حد من العمال، بل وأي حد يتعب يتعالج على حسابه. عملوا مستشفى عزل خاصة بعمال مصانعهم، وكمان إدوا العمال والمهندسين إجازة مدفوعة لمدة 14 يوم. ولما تعرف إن العاملين في مصانع العربي 36 ألف عامل، هتعرف الرقم اللي تحمله علشان يحمي اللي شغالين معاه من كورونا.
الرحمة اللي في قلبه اتعلمها من أخوه عبد الجيد. عبد الجيد كان معاه كلب اسمه مسعود، والكلب كان معاهم طول الوقت في الحقل. وفي يوم هاجم الذئب الأطفال، وكان ممكن ياكلهم، لكن الكلب هو اللي أنقذهم بالنبح وتخويف الذئب لحد ما جه أبوهم وضرب الذئب بالفاس ومات. ولما بعدها الكلب مات، قرر عبد الجيد يكفّنه بتوب أبيض ويدفنه في الأرض اللي عاش عمره كله يحرسها.
محمود كان بيروح مع أهل القرية يشتغل في عزبة كازولي. الراجل الأجنبي صاحب العزبة ساب البلد وباع الأرض لمحمد العطار. الأرض هناك عجبت محمود قوي، وقرر إنه لما يبقى غني هيشتري أرض في العزبة دي ويبني عليها مصنع.. وقد كان.
وهو عنده 10 سنين، سنة 1942، قرر محمود يسافر القاهرة علشان يشتغل مع أخوه من الأم بياع في العتبة. السنة دي كانت معارك الحرب العالمية التانية في العلمين، والبلد ظروفها صعبة. ومن هنا بدأت إمبراطورية محمود العربي.. اللي بدأت في مخ طفل عنده 10 سنين بس.
اشتغل محمود مع الحاج عبد الرازق عفيفي في محل خردوات ورا مسجد الحسين. عم عبد الرازق كان مبدأه زي مبدأ الحاج الأسيَوطي: “اكسب قليل.. تبيع كتير.. تكسب أكتر”. كان بيضيف 2% بس على سعر الصنف. لو حاجة بجنيه يبيعها بجنيه وقرشين. ده أدّاله رواج عن باقي الناس. لكن كانت مشكلته إنه جاف في المعاملة، على عكس محمود اللي كان محبوب وخفيف الدم وحافظ للقرآن. فالناس اتعلقت بيه، فقرر عبد الرازق يسيب إدارة المحل للطفل الصغير. فضل معاه من 1942 لـ1949.. 7 سنين، بدأ راتبه 120 قرش وآخر راتب 320 قرش.
فتخيل طريق الكفاح اللي سار فيه محمود العربي.. من طفل صغير لشاب صاحب طموح، ثم رجل أعمال صاحب رؤية، حتى أصبح إمبراطور صناعة كبرى. وقبل هذا كله، جعل لله وللفقراء وللعمال ولكل أهل قريته حق معلوم في تجارته وأرباحه. لم يطمع في احتكار سلعة، ولا سرقة قوت الغلابة، ولا أخذ حقهم زي باقي رجال الأعمال عديمي الضمير اللي احتكروا بعض السلع فغلت أسعارها بشكل مبالغ فيه.
لكن هذا الرجل المحترم، التاجر الأمين رحمه الله، عرف معنى التجارة مع الله، وعرف أن “التاجر الأمين مع الصديقين والشهداء والأنبياء”.
وهنا أختم بسؤال:
لماذا لم يتكرر نموذج رجل الأعمال الإنسان في مجتمعنا هذه الأيام التي يعاني فيها الناس قسوة المعيشة وتوفير الاحتياجات؟ وكيف لم ينتبه رجال الأعمال لسيرة محمود العربي ويخطوا نفس خطاه؟ فقد حقق المعادلة الصعبة:
تحقيق الربح والجودة والسمعة الطيبة.


0 تعليقات