✍️ : فاطمة فرحات
" تجارة خارجية جامعة حلوان "
حين يسألك أحدهم: “ألا تملُّ من الجلوس وحدك؟!”
قد تبتسم وتجيبه بهدوء: “أنا لستُ وحدي… أنا مملوء بأشياء لا تراها أنت.”
تلك هي الحقيقة التي يعيشها كل من اختار العُزلة يومًا، أو أحبّ البُعد عن ضجيج البشر. فهناك لحظات في حياة الإنسان يعشق فيها الوحدة، ويميل فيها إلى الهدوء، يختار فيها الابتعاد عن الحوارات المكرّرة، والأكاذيب العابرة، وزحمة الأقنعة، والوجوه المصطنعة، والكلمات التي تخرج من الشفاه فقط… لا من القلب.
يختار أن يهرب من الضحكات الزائفة، ويُفضِّل الانسجام مع نفسه.
يجلس أمام طاولة فارغة، قرب نافذة مفتوحة على مصراعيها.
لا يجلس أمامه أحد… فقط هو، وأوراقه المتناثرة، ودفاتر لوّنها الزمن بالأصفر، وقصاصات ورق تحمل أشعارًا وتواريخ وأرقامًا… منها ما يحكي حدثًا وقع بالفعل، ومنها ما كان يتمنى هو ذاته أن يحدث يومًا.
إنه الإنسان الذي أحب الوحدة فعشق عالمه الخاص.
يحمل داخله عالمًا كاملًا مليئًا بالشخصيات والأحداث والأحلام والأمنيات.
يسافر كما يشاء وهو جالس على أريكته القديمة.
يزور أشهر الشخصيات، ويتحاور معهم، يناقش، يجادل، ويفرض وجهة نظره في أحيان كثيرة… وهو لم يغادر مكانه. فقط أطلق لخياله العنان.
يطفو عبر الآفاق…
يصعد مع الصقور إلى قمم الجبال…
يدخل مع الوحوش في أعماق الغابات…
يغوص في البحر مع الحيتان…
يطير مع الطيور المهاجرة نحو أطراف الأرض…
يفعل المستحيل، يصنع التماثيل، يغني لبيتهوفن وشوبان… يرقص الفالس والتانغو… يغني لزوربا وعبد الوهاب… يزرع الياسمين، والأركاديا، والخيزران… يفعل كل شيء وهو جالس وحيدًا، لكنه في الحقيقة يستمتع بكل لحظة كما لو كان يعيش أعظم مغامراته.
ويبدو كأنه يعيد ما فعله بوذا في قصته الأسطورية التي يرويها التراث الصيني. فقد عاش بوذا في بلدة بسيطة، وكان كلما اشتهى شيئًا حلم به ورسم صورته على جدار بيته الخشبي الصغير. وعلم تلاميذه أن السعادة ليست في الامتلاك، بل في القدرة على تخيل ما تتمنى.
وحين شعر باقتراب موته، جمع لفافات ورق وأوصى تلاميذه أن يحرقوها مع جثمانه. وحين فعلوا ذلك، تطايرت تلك اللفائف في الهواء مثل صواريخ ملونة، وكأنه يقول لهم:
“لا تحزنوا، بل افرحوا… واستمتعوا حتى في لحظات الفراق. اصنعوا من الذكرى شيئًا جميلاً يكفيكم عن الجميع.”
وهكذا نحن أيضًا…
بداخل كل واحد منا عالم كبير يخصه وحده.
نحتاج إلى بعض العزلة لنعيش بداخله، لنعيد اكتشاف أنفسنا، لنفهم ما نريده وما نهرب منه، ولنعرف أن الوحدة ليست فراغًا… بل امتلاءٌ عميقٌ لا يراه إلا صاحبه.
وإلى لقاء آخر… في عالم جديد


0 تعليقات