✍️ : د. كريم ابوعيش
عندما نسمع كلمة “بخل”، غالبًا ما نقفز إلى صورة الرجل الذي يخبّئ نقوده كأنها وصية أخيرة. نعتقد أن البخل مجرد جفاف مالي، وحرص زائد على الورق الأخضر. لكن الحقيقة أن الصورة دي مجرد طرف الحكاية. فهناك بخل أعمق، أهدى، وأقسى من أي نقص في المال. بخل لا يقاس بما تملك… بل بما تمنح، وبما تختار أن تحجبه عن الآخرين.
هناك بخل لا يُرى… لكنه يُشعر. البخل اللي يمشي على القلب قبل الجيب. بخل المشاعر، لما يبقى التعبير عن الحب رفاهية، والاحتواء عبء، والاهتمام “كلمة غالية”. أشخاص قادرين يدوّبوا المسافات بكلمة حلوة، لكنهم يختاروا الصمت. قادرين يطبطبوا… لكنهم يسيبوا الوجع يكبر. فتتحول العلاقات لبيوت عامرة… لكنها باردة من جوه.
بخل المشاعر لا يهدم العلاقات فقط… بل يطفئ الروح. لأن الإنسان لا يعيش بالكلام المسموع، بل بالكلام الذي يصل في وقته. كلمة “أنا معاك” ممكن ترد الروح، ونظرة دعم ممكن تغيّر يوم كامل. لكن البعض يبخل حتى بابتسامة. يتعامل مع العاطفة كأنها ضعف، ومع اللين كأنه تنازل. ومع مرور الوقت… يخسر دون أن يشعر.
ثم يأتي بخل آخر أشد أثرًا… بخل العلم. شخص يعرف كثيرًا، ويحمل خبرة سنين، لكنه يشدّ عليها كأنها ملكية خاصة. يخاف يعلّم، يخشى أن يسبقوه، ويتعامل مع المعلومة كأنها حائط صد. نسي أن العلم الذي لا يُشارك يموت، وأن الخبرة التي لا تنتقل تصبح مجرد حمل ثقيل لا فائدة منه. العلم الحقيقي هو اللي يخلّي غيرك أفضل… مش اللي يحبس غيرك في نفس مكانه.
لكن أقسى أنواع البخل… هو بخل الإنسانية. أن تستطيع المساعدة ولا تساعد. أن ترى الوجع ولا تتحرك. أن تمتلك القدرة على الرحمة… وتختار القسوة. هنا لا نتحدث عن نقص موارد، لكن نقص روح. جفاف غير مبرر، وانقطاع عن الفطرة اللي اتخلقنا بيها. البخل هنا مش قلة… البخل هنا نقص في إنسانية الإنسان.
والبخل ليس دائمًا قسوة متعمدة؛ أحيانًا يكون خوفًا. خوف من العطاء بلا مقابل، من أن تُستغل، من الاقتراب الذي يجرح. وأحيانًا يكون تربية… وأحيانًا يكون جرح قديم أقفل القلب. لكن أيًا كان السبب، النتيجة واحدة: البخل لا يحمي صاحبه… البخل يعزله. يضيّق حياته، ويخليه يعيش وحيد حتى وهو وسط الناس.
وعلى الجانب الآخر، الكرم مش “فتح جيب” زي ما ناس فاكرة. الكرم أوسع وأعمق. الكرم أن تدي وقت، وتدي اهتمام، وتدي علم، وتدي مشاعر. الكرم أن قلبك يتنفس مساحة، وأن وجودك يسيب أثر. فالإنسان الكريم، حتى لو كان امتلاكه بسيط… حضوره يكون كبير. والبخيل، مهما امتلك، يفضل فقير الروح.
وفي النهاية… البخل مش ميزان فلوس، البخل ميزان روح. قد يملك الإنسان القليل ويعيش كريمًا، وقد يملك الكثير ويظل فقير القلب. والبخل الحقيقي مش اللي تحرم الناس منه… بل اللي تحرم نفسك منه. لأن الروح البخيلة… تغلق أبواب البركة. والروح الكريمة… تفتح لنفسها ألف باب.
#حديث_الثلاثاء


0 تعليقات