كتب : قطب الضوي
ألقي فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر كلمته في المؤتمر السادس لزعماء اتباع الأديان العالمية والتقليدية المنعقد في دولة كازاخستان قائلاً: اسمحو لي في البداية بتقديم وافر التحية والشكر لدولة كازاخستان قيادة وحكومة وشعباً علي ما بذلت وتبذل من جهود مشكورة مأجورة عند الله لدعم مسيرة الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات ولحرصها كذلك علي دعوة هذا الجمع الكريم من القادة والعلماء والمفكرين، للتشاور والتناصح، والتفكير والتدبير، في دفع عملية الحوار البناء الذي يصب في مصلحة الإنسانية جمعاء والأمل كبير في أن يكون هذا المؤتمر الجامع فاتحة خير وبركة واستقرار علي العالم كله.
وأكد فضيلته إنَّ هذا المُوتمر الذي نتداعي لساحته اليوم، ونتنادي بأهمِّيته البَالِغة يأتي في وقته الصحَّحيح، وتوقيته الدقيق مع أشباهه ونظائرها من المؤتمرات الكبري في الشرق والغرب لدعم مسيرة الحوار بين الأديان والحضارات إذ لا ينبغي أبداً التسليم بحتمية وجود مسار ينتهي بـ “صراع الحضارات” كما ينظر البعض لهذا الأمر.
وأضاف الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وتزداد أهمية المؤتمر إذا نظرنا لما يشهده العالم اليوم من أحداث عضال ونزاعات كثيرة تتطلب منا جميعا أن نكون علي مستوي هذه التحديات الكبيرة وأن نتفاعل مع توترات العالم تفاعلا استباقيا من خلال العمل الدءوب والمنهجي علي نزع فتيلها؛ حتي يحل الاستقرار محل الاضطراب، والعداء محل الود.
هذه الأهداف هي جزء لا يتجزأ من فلسفة أكبر للحوار قائمة علي التعاليم الإسلامية الصحيحة من أجل مستقبل مشرق للعالم الذي يجمع بين كل الثقافات والحضارات في سلام ووئام.
فالإسلام امتداد طبيعي للرسالات السماوية السابقة، ويشكل في منظوماتها الحلقة الأخيرة وباعتباره الصيغة النهائية التي أرادها الله للبشرية إلي نهاية الزمان وبحكم ترتيبه التاريخي وكونه آخر الأديان السماوية ظهوراً علي مسرح الواقع ربما يشتمل علي شيء من التفصيل والتوضيح في أمور العقائد والأحكام الشرعية والأخلاقية في الرسالات السماوية السابقة فالإسلام الذي يتبعه المسلمون في شرق البلاد وغربها هو رسالة شديدة الارتباط بالأديان السماوية ولا يخرج في حقيقته عما جاء في هذه الرسالات الإلهية، بل إن شريعة الإسلامي هي - في كثير من وجوهها - نفس الشرائع السابقة، والقرآن يقرر هذه الحقيقة في قوله تعالي مخاطباً المسلمين “ «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ * أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ *كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ * اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ « (الشوري: ١٣).
وقد صور الرسول الكريم محمد صلي الله عليه وسلم الوحدة العضوية التي تجمع بينه وبين إخوته من الأنبياء والمرسلين عبر التاريخ، في كلام جميل رائع يقول فيه : “أنا أولي الناس بعيسي ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلاّ أمهاتهم شتّي ودينهم واحد”، أي أن الأنبياء يشبهون إخوة من أب واحد وأمهات شتي، والأب الواحد هو الدين الذي يجمعهم جميعاً، والأمهات التي تفرقهم هي الأزمنة والأمكنة التي يختلف بها نبي عن نبي ورسول عن رسول.
وأشار الدكتور أحمد الطيب إلي أن حضارة الإسلام قد بنيت علي أسس ثلاثة: الوحي والعقل والأخلاق فإنها قد استطاعت أن تطرح نفسها خارج حدودها الجغرافية كحضارة مفتوحة ومتوازنة أمام مطالب الإنسان وأشواقه الروحية والجسدية. ومن حسن الحظ أن الباحث هنالا يحتاج إلي تفصيل القول إذا ما أخذ في الحسبان هذا العدد الهائل من العلماء والأدباء والفلاسفة والمفكرين من غير العرب والذين تأثروا بحضارة الإسلام وأثروا فيها وكتبوا ثمرات عقولهم وقرائحهم بلغتها العربية وأصبحوا أئمة في المعقول والمنقول في ثقافة هذه الأمة، وقد مثل هؤلاء الأعلام دوائر علمية وثقافية أثرت الحضارة الإسلامية وشكلت مساحة واسعة من نسيجها الداخلي، وإن إطلالة سريعة علي مكتوبات أئمة المعقول من أمثال الإمام البخاري والترمذي وأبي حنيفة وسيبويه والفارابي وابن سينا والغزالي والرازي والشيرازي وغيرهم لتبرهن علي أن الحضارة الإسلامية جمعت في إهابها العديد من ثقافات الشرق والغرب بعد ما تعاملت معها وطوعتها لدين الإسلام، وأثبتت أن الإسلام دين عالمي يفتح أبوابه علي مصاريعها لكل عناصر الحق والخير والجمال، مهما اختلفت مواطنها وتعددت مصادرها، وأن حضارته مفتوحة علي العالم وأنها تعاملت مع الديانات والثقافات الأخري بقدر غير قليل من الاحترام والتفاعل والتواصل. وأنها كما تأثرت بهذه الحضارات أثرت فيها، وقدمت لها زادا ثقافياً ما كانت لتحصل عليه لولا هذه الحضارة.
فالقرآن الكريم أو الوحي الإلهي حدد علاقة المسلمين بغير المسلمين في كلمة واحدة هي “التعرف علي الآخر” ونقول: إن فلسفة الإسلام في هذه المسألة تقوم علي حقيقتين متلازمتين:
الحقيقة الأولي: أن الاختلاف بين الناس هو قانون قرآني مضمونه أن المشيئة الإلهية اقتضت أولا أنت يخلق الله الناس مختلفين في الأديان والأخلاق والأعمال، وأنه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة لكن لم يشأ ذلك وشاء بدلا منه “الاختلاف”: « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً *وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ * وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ * وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (هود: ١١٨ - ١١٩).
وأما الحقيقة الثانية: فهي “التعارف” أو إن شئت “الأخوة في الإنسانية”: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا*إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ * إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات:١٣)
وأمر بديهي أن يكون التعارف بين الأمم والشعوب مقصداً إلهياً ما دامت مشيئة الله تعالي قد اقتضت اختلاف الناس: فكرا وطبيعة وميولاً. من هنا تحتم أن يكون السلم هو القاعدة في علاقات المسلمين الدولية بغيرهم من الشعوب وقد سجل التاريخ أن الحضارة الإسلامية تعاملت بهذه الروح في علاقتها بغيرها وأن رسول الإسلام صلي الله عليه وسلم التزم هذه القاعدة التزاما تاماً في كل تعاملاته مع الآخرين ولا يعترض في هذا المقام بالحروب التي حدثت في صدر الإسلام لأن المواجهات الحربية التي خاضها النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه كانت كلها دفعا لعدوان فعلي أو متوقع من الأعداء. وصحيح أنه ورد الأمر بقتال المعتدين في القرآن لكن هذا ما تفرضه كل شرائع الحق والعدل، ولأن الحرب في الإسلام استثناء واضطرار فقد نهي عن الاعتداء والبغي والظلم وتجاوز الحق في الدفاع عن النفس “ وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُم * وَلَا تَعتَدُوٓا * إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلمُعتَدِينَ (البقرة: ١٩٠) وهو نهي محكم وغير قابل للنسخ، ثم إن أول آية نزلت لتشرع للمسلمين حق القتال هي قوله تعالي: «إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا *إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ * أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا *وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ * وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا *وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ * إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ». (الحج: ٣٩ - ٤٠)
وفي هذا النص الإلهي يتضح تحديداً أن أول أسباب مشروعية القتال في الإسلام هو: نصرة المظلومين وتمكينهم من حقهم في حياة آمنة مثل غيرهم، وهو مطلب لا يعرض العقل السليم أن يرتاب في مشروعيته لحظة.. كما يتضح أن الحرب في هذا النص مشروعة للدفاع عن الأديان السماوية ضد عدوان الشرك والمشركين، ومن العجيب في هذا المقام أن القتال في الإسلام ليس قاصراً علي وجوب الدفاع عن حرية العبادة في هذا الدين فقط، بل هو واجب بالمشروعية نفسها لتأمين الدفاع عنت حق حرية العبادة في الأديان السماوية الأخري.
استمع إلي ابن عباس رضي الله عنهما وهو يقول في تفسير الآية: “يدفع بدين الإسلام وبأهله عن أهل الذمة” وقد تسائل المفسرن عن دخول الصوامع والبيع والصلوات في خطة الدفاع الإسلامي وكان من إجابتهم أن هذه المواضع أجمع مواضع المؤمنتين وإن اختلفت العبادات عنها. ها هو الإمام الرازي ينفي أن يكون تمعني الدفاع عن هذه المواضع خاصا بأيام موسي وعيسي عليهما السلام ويميل، بل يؤكد أن الغرض من الدفاع الإسلامي عنها كيلا تهدم في أيام الرسول صلي الله عليه وسلم لأن هذه المواضع فيما يقول “يجري فيها ذكر الله تعالي فليست بمنزلة عبادة الأوثان” فالآية الكريمة تأخذ حسابنها الدفاع عن أماكن العبادة الخاصة بغير المسلمين.
واختتم الدكتور أحمد الطيب شيخ الازهز كلمته قائلاً: لا حاجة للتذكير بأن التنظيمات الارهابية خارجة عن صحيح الإسلام، وهذا أصبح واضحاً لدي الجميع، ولذلك نري معظم رؤساء العالم في الوقت الواهن يفرقون بين هذه الجماعات وبين الإسلام ، ونحن كمسلمين دينية أكدنا - ولازلنا نؤكد - أن هذه الجماعات المتطرفة لا تمثل دين الإسلام، دين المحبة والرحمة والتسامح، الذي يحرم إراقة دماء الناس أيا كانت معتقداتهم وألوانهم وأجناسهم.
والأزهر الشريف قد جدد من نشاطه بعد ظهور الحركات الإرهابية المسلحة، واتخذنا أكثر من مسار لتحقيق ما يطمح إليه في هذا الموضع، حيث إنه أولاً: قام بإعادة النظر في المناهج التعليمية وضمنها الكثير من المعلومات التي تتناول توضيحات لتلك الجماعات والرد عليها وتفنيد شبهاتها، وثانيا: هناك قوافل من علماء الأزهر تجوب مصر وخارجها لتوضح للناس أن تلك الجماعات المتطرفة علي خطأ، وأن الإسلام بريء من تصرفاتها، كما أن الأزهر الشريف يستقبل ما يزيد عن ٣٥ ألف طالب وطالبة إلأوطانهم من ١٠٠ دولة حول العالم، ويحرص علي توعيتهم وتثقيفهم ليعودوا بعد انتهاء دراستهم إلي أوطانهم محصنين بهدي الإسلام وتعاليمه السمحة ضد الأفكار المتطرفة والمتشددة.
وثالثاً: لدينا برامج لتدريب الأئمة حول العالم في دول عديدة؛ منها: بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأفغانستان والعراق وبعض البلدان الأفريقية والآسيوية، حيث يسقتبل الأزهر الأئمة ويتم تدريبهم وتوعيتهم من خطورة الفكر الضال والمنحرف، ورابعاً: لدي الأزهر الشريف رابطة عالمية من خريجي جامعة الأزهر وهي علي اتصال دائم بهم في كل بلدان العالم للتنسيق معهم من أجل التحرر من هذا الفكر المتطرف والقضاء عليه تماماً.


0 تعليقات